top of page
Seagulls Post Arabic

شاعر البصرة الخالد: السياب رائد الشعر المبتكر - حسان الحديثي

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 4 فبراير 2025
  • 5 دقيقة قراءة

حسان الحديثي
حسان الحديثي - العراق

شاعر البصرة الخالد: السياب رائد الشعر المبتكر - حسان الحديثي - العراق

ها قد مرت ستة عقود على رحيل شاعر البصرة الخالد ورائد الشعر المُبتَكَر وحارس المعاني بدر شاكر السياب. في الرابع والعشرين من كانون الأول ١٩٦٤م رحل شاعر المطر والنخل والغياب، مات الشاعر الذي سقى الليلَ للمدينة، وكحّل العيون بالنخيل. في مثل هذه الساعات كان بدر شاكر السياب يسفُّ من ترابِه ويشربُ المطر. مات الشاعر الذي لم يكفِه إيحاء الرمز فابتكر الرمز، ولم ترضه معاني المفردات فغير الدلالة، ولم يقنعه الإيقاع فأطال وقصّر.

مات الشاعر الذي جعلنا كلما ذكرنا بويب والمطر لفَّنا الحزن من كل جانب جاهلين السبب، إلا لأنهما اقترنا بالذاكرة اللطيفة التي غرسها السياب فينا وذهب.


بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

مات الذي قيلت فيه آراء ورؤى لا تلمها الذاكرة ولا تجمعها الصفحات، فلم يبقَ أديبٌ ذو رأي إلا وقال في السياب شيئاً؛ فمنهم من رثاه شعراً ومنهم من أبَّنَه نثراً. منهم من أجاد وأحسن، ومنهم من أصاب وأخطأ، ومنهم من هو دون هذا وذاك.

ولكني -والحق يقال- لم اقرأ أرقَّ وألطفَ وأصدق من الشاعر العراقي أجود مجبل حين قال مخاطباً السياب قائلا:

 

وإلى شناشيلِ ابنةِ الچلبيِّ

مِنْ خلفِ السنينِ الذاهباتِ تُلاحِظُ

 

وتقولُ للسيّابِ: لا ترحلْ بعيداً يا حبيبي

إنّ فقْدَكَ باهظُ

 

فلم يرحل بعيداً وبقي عالقاً فيما حولنا من معان ودلالات، فالسياب روح عراقية خالصة المعنى باقية الأثر، روح صادقة طابقت شاعريتُها الإحساس والشعور، ووافق مجازُها الحقيقة الواقع، ولاءم مقالُها الحياة والمقام، بمعنى أن السياب هو الواقع العراقي ولو لم يكن السياب عراقياً لأحدث شعرُه فرقاً بينه والواقع واختلف الفهم ثم تسبب ذلك بضعف التاثير. كان لا بد للسياب أن يكون عراقياً ليكتمل المشهد، وتتطابق الصورة.

وأنه رغمًا عن عمره الدنيوي القصير وعمره الشعري الأقصر إلا أنه لم يمت حتى أعاد للشعر رسالتَه الإنسانية، وبث فيه روح التجديد والابتكار، وأقام عمود الحداثة، رافعاً به رواق القصيدة العربية بعد أن أثقل سَداها تراثُ الكلاسيكية، وأوهن لُحمتَها إرثُ التقليد.

 

الأدب هو أنسنة الكلام؛ حين نرفع لغةَ الحديثِ ليكون الكلام بيننا عالياً شعرياً وشاعرياً، حين نجعل منه ترياقاً نعالج به أوجاع الناس، حين نخلق من النَص إحساساً يجعل كل قارئ يشعر أنه كُتب لأجله، حين نرسل من المعاني مراسيلَ مجازيةً للناس وكأنها نداءاتٌ آتيةٌ من دواخلهم وليس من القصيدة. وهذا كله موجود حاضر في شعر السياب لأجل ذلك كان السياب شاعراً بإنسان وإنساناً بشاعر. لكن هذا لم ينف عن السياب الفهم الخاطئ له من قرائه، فغالبهم يحسب أنه إنسان بائس، والحقيقة أن السياب ليس بائساً، السياب شاعرٌ أدرك وطأة الحياة فعرَّفها في شعره؛ رمزاً ومباشَرةً، مجازاً وحقيقةً، خيالاً وواقعاً، وهناك فرق كبير بين البؤس والإدراك، وهذا الفهم له أثره في شعر غيره ممن تأثر به فهو -أي السياب- من أوحى لسعدي يوسف بابتكار مفهوم جديد لـ "رحمة الله" وجعل هذه الرحمة "أُمَّ مَن لا أمَّ له" في مرثية سعدي يوسف العظيمة للسياب، ويعني بها أن السياب مات يتيماً بعيداً غريباً بلا أمٍ تُغمض عينه ساعة الفراق وتقطّر الماء في حلقه عند الرحيل، كان ذلك في مدينة بلعباس في الجزائر في التاسع من كانون٢/يناير عام 1965. أي بعد خمسة عشر يوماً من رحيل السياب، يقول سعدي يوسف في مرثيته للسياب:

 

يا رحمةَ الله التي وسِعَتْ شقاءَهْ

يا أُمَّ مَن لا أُمَّ تُغْمِضُ جفنَهُ: كوني رداءَهْ

ولْتمنحي الجسدَ المعذّبَ راحةً، والحلقَ قطرةْ

ولْتمسحي بالسِّدْرِ جبهتَهُ، وبالأعشابِ صدرَهْ

هو طفلُكِ المصلوبُ فوقَ سريرِهِ عاماً فعاما

متقيِّحَ الطعناتِ مشلولاً مُضاما

سعدي  يوسف
سعدي يوسف

وقد سألت سعدي عنها؛ لماذا وصفه في رحيله أنه كان متقيح الطعنات؟ فقال: حين دخلت على بدر في مستشفى الموانيء في زيارته الأخيرة قُبيل سفره للجزائر وجلست عنده كان جسده قد أصيب بتقرحات الفراش، وهي ندوب تظهر في مناطق من جسم المريض القريبة من العظم نتيجة الرقاد الطويل، وهي حالة شائعة عند الأشخاص الملازمين للسرير لفترات طويلة وغير القادرين على الحركة، وعندما يطول الحال يتقرح الجلد وتظهر هذه الندوب فتصبح كأنها طعنات في جسد المريض، من هنا جاء وصف سعدي لحالة بدر ولعل أبا غيلان أشار لها في قوله:

 


شهور طوال وهذي الجراح

تمزّق جنبيَّ مثل المُدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى

ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:

لك الحمد، أن الرزايا ندى

 

أما لميعة فتقول في أبياتها المهداة للسياب بعد مرور ٣٠ عامًا على وفاته:

 

يوم أحببتكَ أغمضتُ عيوني

لم تكن تعرفُ ديني

فعَرَفنا وافترقنا دمعتين

عاشقاً مُتَّ ولم تلمسْ حدود الأربعين

وأنا واصلتُ أعواميَ أو ... واصلتُ تسديد ديوني

 

وهذه رؤية رائعة فالكل يسدد ديون الموت طال العمر أو قصر، وهذا ما أدركه السياب جيداً، لذا لم يجد بأساً في الإثخان بذكر الموت والقبر والجثة والدم. ومن الرؤى التي شخصها الأديب التونسي اللامع محمد لطفي اليوسفي قوله: "المعنى بدأ بالأفول منذ عصر السياب"، والحقيقة أن الفهم الخاطئ لأسلوب السياب ممن جاء بعده هو السبب بالأفول، فالغالب الأغلب يظن أن الشعر الحديث محض تراكيب لغوية مرسلة بعشوائية وكيف ما اتفق، لعلها تكوّن صورة جميلة أو مقبولة في ذاكرة المتلقي. يعرّف اليوسفي السياب أنه "شاعر الحب والثورة والموت".

 

أقول: لا يوجد شاعر وُصف أنه "شاعر الموت" قبل السياب، فبالرغم من أن السياب أترع شعره بالمجاز، إلا إنه مجاز منطلق من الواقع، والموت أحد أهم وأوضح فنارات هذا الواقع.

وهذا ما يؤكده أدونيس بقوله "شعر السياب ليس أكثر من حياته أو أبعد منها، إنه يلبس حدودها فليس شعره حياة ثانية."

ما أجمل هذا التعريف وما أروع هذا الفهم للسياب!

كذلك جبرا إبراهيم جبرا حين قال: "ولعل السياب كان أول من يرضى بأن تبدأ أسطورته بموته".

وهذا شاهد ثان ودليل آخر بأن من كان حول السياب يفهمه ويدرك ما يصنعه، لذا كان الإيمان بعبقريته أمراً واجباً.

وأنا مؤمن بهذه الأقوال لأنها تحاول الجمع بين الخيال والواقع، فالأسطورة ضرب من الخيال والموت أصدق ما في الواقع. 

أما يوسف الخال، فيقول محمد الماغوط: إنه كلّفني بمرافقة السياب في بيروت طوال إقامته هناك، وأوصاني وهو يسلمني إياه قائلاً: لا تعذّبه، إنه شاعر كبير.

هكذا رأوه "شاعراً كبيراً"

محمد الماغوط
محمد الماغوط

 نشات بين الماغوط والسياب صداقةٌ مميزة، فهم خلالها فكره عن كثب وتعرّف على شخصيته عن قرب لأجل ذلك حين مات السياب كتب الماغوط مرثية طويلة مخاطباً إياه:

 

تشبث بموتك أيها المغفل

دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

كتبك تباع على الأرصفة

وعكازك أصبح بيد الوطن.

 

هذا هو فهم الآخرين للسياب، والسؤال ما هو فهم السياب للشعر؟ إنه يتلخص بجملة واحدة ذكرها عبد الوهاب الشيخلي الصحفي، يقول: حينما سألت السياب عن أنواع الشعر، قال: هناك شعر تعجب به لأول وهلة ويزداد إعجابك به على مر الزمن، وهذا هو أرفع أنواع الشعر وهو نادر الوجود.

وكأني بالسياب يصف شعره، فقصائد السياب تحوي هذه الخاصية وتحمل هذا الطابع، تقرؤه فيُميلك إليه، ثم تقرؤه فتُعجب به، ثم تقرؤه فيزداد إعجابك بازدياد القراءة. ذلك أن السياب يترك في خبايا القصيدة بواكر من المعاني تُفتض تباعاً، ويملأ طياتها بالمدهش من الدلالات يكتشف لاحقاً، ويرسل بها الفكرة تلو الفكرة والصورة إثر الصورة، فما تنفك من دهشة حتى تنتهي لدهشة ولا تنقضي بك متعة حتى تسلمك لمتعة، وذروة إدهاشه وغاية إمتاعه حين يُسرف في الغوص في إعماق الحزن حتى لتشعر أنه قد أوقعك بشرَكٍ آمن للنفس لا تريد التحرر من حباله، وكبَّلك بقيد لطيف على الروح لا تود الإفلات منه.

فشكرًا للسياب الذي أجرى للشعر عملية قلب مفتوح ليبدل ما عتق من شرايينه وما ترهل من صماماته ليجدد فيه الحياة.

شكرًا للسياب الذي جعلنا إذا قرأنا القصيدة عشنا فيها، فإذا انتهينا منها عاشت فينا رغم وطأتها على أرواحنا. شكراً للسياب الذي رحل مبكراً تاركاً حياته في القصيدة.

 

 

تعليقات


bottom of page