خيري شلبي وأنطون تشيخوف: وجهًا لوجه - نهى الطرانيسي - مصر
- Seagulls Post Arabic

- 3 فبراير 2025
- 6 دقيقة قراءة

خيري شلبي وأنطون تشيخوف: وجهًا لوجه - نهى الطرانيسي - مصر
القصة القصيرة فن يتطور ويمر بتغيرات متلاحقة خلقت منه فنًّا خاصًّا، له تراث رصين من الأساطير والحكايا على الجدران القديمة وحكايا التراث، فكان في البداية في فترة الأربعينيات في مصر يعتمد على الواقعية دون التطرق للأسلوب التعبيري في الوصف والسرد حتى بداية الستينيات، حيث ألفَينا القصة القصيرة التعبيرية ولحقتها القصة التجريدية ثم الفانتازيا واللامعقول، كلٌّ بأساليب وشكل سردي مختلف.

ومن هنا كانت القصة القصيرة هي السبيل لإيصال المغزى أو الهدف المرجو بصورة سريعة موجزة كالطلقة كما أطلق "بريس بارين" في تعريفه للأدب بأنه (مسدسات عامرة بقذائفها)، فنظرة الكاتب لموقف أو حالة هو اختراق لجدار الصمت من خلال التعبير عن تلك الحالة بأسلوبه الذي يخدم المضمون، في لغة بسيطة حيادية.
لذلك لجأ أدباء كبار إلى القصة القصيرة على الرغم من ذيوع صيتهم في الرواية، لكنهم دخلوا مجال فن التكثيف والإيجاز والتضمين والبلاغة الفنية بجرأة جعلت منهم روادًا ساعدوا لاحقا في تطور القصة القصيرة ووصولها إلى مرحلتها الحالية، فنجد القصة التجريدية الفلسفية التي تدعو للتأمل، وأيضًا القصة الشاعرة التي تتملكها روح الشعر ببلاغته ولغته الحالمة دون أن تطغى على مضمون القصة، وأيضا قصة الفانتازيا واللامعقول التي تسعى للتفكر خارج الصندوق، مما يلهب حماس القارئ إلى النهوض فكريا من الركود.

نجد أدباء كبارًا وجدوا في القصة القصيرة منفذًا للتعبير عن أوجاع العامة والسخرية من الطبقية ومما يدور في الواقع من عادات اجتماعية وذلك لسهولة وصولها للجمهور وسرعة قراءتها لقصر حجمها، ولكن تظل القصة القصيرة- رغم قصرها- أصعب من سرد الرواية التي تتيح مساحة للسرد والتعبير والوصف في مقابل القصة القصيرة القائمة في الأصل على الإيجاز والتكثيف، لذا هي فن قائم بذاته، وهي على حد تعبير سهير القلماوي: "إن فن القصة القصيرة الذي تهجم عليه أكثر كتابنا هو أصعب الأنواع الأدبية".
لكن اللافت وجود أدباء تلاقت أرواحهم الأدبية فنسجت لنا أدبًا واحدًا بلسانين؛ العربية والروسية ( الأديب المصري خيري شلبي) و( الأديب الروسي أنطون تشيكوف).
١- فعلى مستوى المفردة في القصص القصيرة، تُدهش من ذلك التشابه بينهما، ومدى ملاصقتهم للشعب والتعبير عما يدور في خلده من أحلام يتمنى بها تغيير بل محو ما يراه في واقعه؛ لقد اتخذ كلاهما من السخرية وسيلة للسخط على حال المجتمع وعلى ما تمارسه الطبقة العليا من تسلط وجبروت وإن كانت تلك السمة تتضح أكثر عند تشيكوف بحكم الفترة السياسية والاجتماعية التي عاصرها في روسيا آنذاك، والتي انعكست على الجميع وكان العامة أكثر تأثرًا بها، أما خيري شلبي فعبّر عن التسلط الفكري الذي تمارسه الطبقة الوسطى أو الدنيا مع بعضهم البعض وما يتبعه من سلوك اجتماعي عشوائي، فكان يناقش ويناهض الروح التي تخلق شتاتًا بين الأفراد، لذلك لجأ كلاهما إلى استخدام اللغة الأقرب للشعب، تلك اللغة البسيطة التي تحوي وصفًا أو كلمات دارجة معتاد عليها. وعلى الرغم من ترجمة أعمال تشيكوف فإنك ترى بين سطور القصة مفردات مألوفة لدى العامة، أوردها الكاتب وضُمنت في الهامش للتوضيح. وسأُتبع ذلك بأمثلة من كلا الكاتبين حتى تتضح الفكرة.
في قصة (باباشا) لتشيكوف تقوم الزوجة بدفع زوجها الغني اللعوب للضغط على مدرس الرياضيات لمنح ابنهم الوحيد علامات إضافية للنجاح، فنجد الزوجة تحتقن غضبًا من ذاك المعلم قائلة: (يجب جلده بالسوط، هذا ما تكون عليه الفعلة...) كذلك في الحوار القائم بين الزوج والمعلم لإقناعه: (لا أستطيع! ماذا سيقول الراسبون الآخرون؟ هذا غير عادل مهما قلبت الأمر. لا أستطيع).
_ غمز الأب بعين واحدة (أنت تستطيع يا إيفان فيودوريتش! إيفان فيودوريتش لن نستغرق في الكلام طويلا! الأمر لا يستحق الثرثرة ثلاث ساعات، قل لي ما الذي تعتبرونه أنتم أهل العلم عدالة؟ نحن نعلم ما هي عدالتكم! قل بصراحة يا إيفان فيودوريتش، بدون مواربة، فأنت وضعت علامة الرسوب عن قصد. فأين العدالة في هذا؟).. ويتابع الأب: (إذا كانت هناك إتاوة.. أنا أفهم الخدمة كما ترى.. مهما تقدمتم هناك، فمع ذلك، كما تعرف فالعادات القديمة أفضل وأكثر نفعًا من أي شيء.. كل ما لدي تحت أمرك).
نلاحظ ذلك التسلط المادي الذي يمارسه الزوج على المعلم حتى يرضخ لطلبه، وفي ختام القصة: (أكد باباشا أن ابننا سينتقل للصف الرابع وأن أهل العلم لا يمكن إقناعهم بالمال، بل بالمعاملة الطيبة وبالضغط بلطف على البلعوم).
أما في جانب استخدام تشيكوف للغة البسيطة نجد مثالاً لفظ (باباشا) وهو عنوان القصة وهو كما ورد في هامش القصة (لفظ التحبب لكلمة بابا) وهي من الكلمات الشائعة في روسيا، وكذلك وصف تشيكوف للزوجة المتسلطة بتشبيهها بطائر (التم) ويبدو مألوفا في روسيا ذاك الوقت.
في المقابل، فنجد خيري شلبي يسرد في قصة (نفايات ذاتية) معاناة يعيشها البطل الذي يسرد كيفية تحمله لصديقه في الاستماع لشكواه ليلًا ونهارًا عن زوجته التي قلبت حياته رأسًا على عقب، بكثرة المشاكل والخصام، حتى تحولت حياة البطل/ الراوي لاحقًا إلى جحيم: (لم يعد ثمة من حديث بيننا إلا الحرم المصون الست عايدة وما جرى منها بالأمس، لكأنهما عدوان لدودان ينفذان حكمًا من محكمة كونية عليا، بأن يناما معًا على سرير واحد، ويأكلا من طبق واحد، وأن يتكفل هو بجميع النفقات، حتى وإن نام على الأرض، أو طفح الدم، أو طفش من البيت). وفي مقطع آخر: (أمسيت متعاطفًا معه، استلبني كثيرًا ما كنت من فرط غيظي أتخيل نفسي في مكانه، حتى أصبحت مهمومًا بالتفكير في المقاومة، والبحث في كيفية الدفاع عن كرامتي إذا، لا قدر الله، ابتليت بمثل هذه البلية).. حتى أصبح الزوج البطل يستشعر تبدل حال زوجه أيضًا، وظل حائرًا حول السبب حتى استيقن في الخاتمة: (انبرت تحكي بحرارة نفس الحرارة التي يحكي بها مختار.. كيف أنني جرحتها باللفظ، وبالفعل ليلة كذا، كيف صرت غليظًا معها دون مبرر؟ وأين كنت أخبئ هذا القاموس البذيء الذي كنت أغمرها بمفرداته؟...)، (كنت صفيحة قمامة يدلق فيها صديقي نفايته الذاتية التي اتضح أنها أشد فتكا من النفايات الذرية ...).
يظهر جليًا من لغة خيري شلبي استخدامه للغة البسيطة، مازجًا بين الفصحى والعامية، لقربها من الطبقة المقصودة في كتاباته.
٢- تيار الوعي (حديث العقل أو حديث النفس) وهو من أحد الأساليب التي استخدمت بوضوح في القصة التعبيرية وشاع استخدامه لاحقًا في القصة التجريدية، وذلك لملاءمة ذاك الأسلوب لهما، فهو الأقدر على التعبير بما يجول في ذهن البطل أو الراوي، وما يصارعه من أحداث، وتأثير ذلك كله على نفسه، فتيار الوعي ينقل القصة الداخلية للبطل ورؤيته، ويجعلنا أقرب إليه بعيدًا عن الواقع وقسوته.
برز هذا الأسلوب بشدة لدى تشيكوف وخيري شلبي، ففي بعض القصص كان تيار الوعي هو البناء الأساسي لها، مثل قصة (على الطريقة الأمريكية) لتشيكوف، وهي قصة تقوم على حديث داخلي للبطل الذي يود الارتباط بأي امرأة جميلة، ويحادث نفسه عن الشروط التي ينبغي أن تتوافر بها على الرغم من أنه كما يقول (لا يوجد لدي أحد غير الوالدين النبيلين، لكن الفقيرين بالمناسبة.. أمامي مستقبل باهر...). لا يستحي من فقره بل يبالغ في أحلامه المرجوة في العروس، وكيف تخدمه، وتهتم به، وتحتمل فقره وكسله، وتغدق عليه من مالها!!
إن تيار الوعي هو ذلك التيار الدائم الممارسة في حياتنا لحظة بلحظة، فكما لاحظنا سابقا في قصة (نفايات ذاتية) لخيري شلبي، فالبطل يتحدث عن صديقه الدائم الشكوى عن زوجه العنيد، حتى أدرك البطل مؤخرًا أنه تحول لدلو نفايات صدئة من شكوى صديقه التي يعود بها إلى المنزل، ليفرغ تلك الشحنة السلبية المؤذية على زوجه دون أن يدري، حتى دب الخلاف، وبدأت نذر الفراق بينهما.
وأيضًا قصة (مقام الضوء) لخيري شلبي، نلحظ تيار الوعي لدى الراوي الذي يتحسر داخليًا على امرأة شابة تتشح بالسواد، ومعها ابنتها الوحيدة التي كانت من قبل سبع سنوات رضيعة بين ذراعيها، تأتي كل خميس من القاهرة لبورسعيد لمقام الضوء ضريح زوجها، حيث ارتبطا على عهد الحب والكفاح. وظل الراوي يتذكر حياتهم منذ بذرة الحب الأولى والأحداث التي عاصروها حتى هذه اللحظة (لهفتها القديمة على الرجوع من العمل إلى شقتهما في الجيزة تحولت إلى بورسعيد، منذ سبع سنوات وهي تأتي لهذه المقبرة ظهر الخميس من كل أسبوع، لتبقى حتى غروب الشمس، فتعود إلى القاهرة، أصبحت تشعر أن هذه المقبرة هي بيتها الحقيقي ولابد أن تعتني به...).
٣_ جماليات السرد والبلاغة تلك التي تخلق من أدب القصة القصيرة فنًا خاصًا، مثل وجود القصة الشاعرة، اتكأ خيري شلبي على الجماليات البلاغية كالتشبيه والمجاز في قصصه بصورة أكبر إذا ما قورن بتشيكوف الذي يغلب على لغته الوصف والسرد وتيار الوعي والمونولوج، ونلاحظ تلك السمة في كُتّاب أوروبا مثل سارتر الذي يعد استخدام المجاز والتقنيات البلاغية عنصرًا أساسيًا من عناصر السرد.
استخدم تشيكوف تلك السمة على استحياء لخدمة المقصود فقط في قصة (باباشا) وهو ذلك الرجل الثري اللعوب وزوجه التي تعلم بخباياه، وتلح عليه بأن يذهب لمعلم الرياضيات للضغط عليه كي يمنح ابنه علامات إضافية للنجاح، كما أوضحتُ في هذا المقال من قبل، ومع محاولات الأب للتنصل من حديث الزوجة الأريبة ومكرها معه (ارتدى ملابس أكثر أناقة، انطلق للإشفاق على ابنه الوحيد) وتلك الجملة الأخيرة محملة بالمجاز، حيث أضفى صفة الوجود أو المكان على مشاعر الإشفاق، فصار الإشفاق غاية يُنطلَق نحوها.
أيضًا في قصة (نفايات ذاتية) لخيري شلبي: (غير أن الحرارة التي كان يحكي بها كانت تنضح صدقًا يتصبب على جبين كلماته العرقانة)، هنا المجاز أكثر وضوحًا، فالعرق هو الصدق الذي نضح، والكلمات أضحت إنسانًا كاملاً له جبين ينضح بهذا العرق المجازي.
ختامًا: خامرني شعور بأن بعض القصص لخيري شلبي وتشيكوف لا يكتفي منها القارئ بسبب نهاياتها المفتوحة، صحيح أن النهايات المفتوحة هي باب للتأمل والتأويل، وحث المتلقي على ذلك، لكن بعض القصص لديهما ما زالت بها مساحة للسرد قبل تركها بين أيدي القراء والنقاد.





























تعليقات