top of page
Seagulls Post Arabic

أنشودة المطر: شعرية العنـوان ورمزية الأسطورة - علي جعفر العلاق

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 4 فبراير 2025
  • 4 دقيقة قراءة


د. علي جعفر العلاق
د. علي جعفر العلاق

أنشودة المطر: شعرية العنـوان ورمزية الأسطورة - علي جعفر العلاق - العراق

تطـرح هذه القصيدة أكثـر من إشـارة، تشـدها إلى الأسطورة، بطريقـة بالغـة التخفـي، منهـا ما ينتمـي إلـى الحـدث السردي، ومنها ما يتعلـق بالأسـطورة باعتبارها فكرة أو تصوراً أو طقسـاً. أما الجـانب الثالـث فيتعلـق بالشـخصية الأسـطورية التـي يتمحـور حولهـا حـدث ذو وهـج أسـطوري.


بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

العنوان طافح بتوتر الاستعارة، إنه يؤنسن المطر ويدفع به إلى بدايات التصور الإنساني الذي كان يشحن عناصر الطبيعة بأحاسيـس البشر وشـهواتهم، ويجعل منها، بفعل التفكير الأسطوري الأول، كائنـات تفيض على حدودها بالحـركة، والحلـم، والعاطفة، وتتجـاوز، بفعـل ذلك التفكير أيضاً، المحدوديـة والمنطـق. 

يمثل عنوان القصيدة أحد المحفزات المهمة لرصيدنا الخفي من الذكريات وأنماط التداعي. إن كلمة الأنشودة، على سبيل المثال، لا يمكن التغافـل عما تكتظ به من إيماء عميق إلى البدايات الأولى للأشياء والعواطف والأفكار. إنها صلة الجسد، في رفيفه الصوتي المنتشي، أو الخائف، أو المندفع باتجاه الطبيعة أو البشر، في اتجاه الموت أو الحياة. والأنشودة، أيضاً، عميقة الارتباط بالشعر وتلقيه، حين كان الشعر إبداعاً حسياً صرفاً، ينهمر به الجسد المحتدم باللذة أو الألم أو الطمع من خلال الانثيـال الشفاهي والإيماء الجسدي المؤثر. وهكذا تمتـزج الأنشـودة بالجسد، في حضـورهما الحـار، وهما يتفجـران برغباتهمـا البدائيـة الأولـى، وحنينهمـا الوحشي إلى المطلق، والطبيعة، واللانهائـي. 

والأسـطورة مخضبـة بالدم دائمـاً، دم القرابين والأضـاحي. كما أن الدم يرتبـط بالمطـر ارتباطـاً عميقـاً باعتبارهمـا جـزءاً من شـعائـر الأسـطورة أو طقـوسـها التـي تحيـط بها، وتتفصد مـن جسـدها المكتنـز بالرهبـة، والجـلال، والتخيـل. فالـدم، كما يشـير جيمـس فريـزر، فـي (الغصـن الذهبـي)، وسـيلة الإنسـان البدائـي، أو تميمتـه التي يستدرج بها المطـر إلى حقولـه القاحلة. وعندما يحتـشد المشـهد الابتهـالي، ويتوتر، ويندى، تختلط الريـح بالرقص، والدم بالصلوات، حتى تذرف الأجسـاد عرقهـا المضيء على العشـب، ويمتلئ الجو برائحـة الغيم، والزغـب، ويهطل المطر. ويكـرس الدم في هذه القصيـدة لقاءه بالمطر، في أكثر من مفصل أو مشهد، أو حركة.

الملاحظ أنّ في عنـوان القصيـدة التحامـاً قلقـاً بين عنصرين لا تجانـس بينهمـا. كما أنّ شـكل الإضافـة الذي اتخـذه هـذان العنصـران لـم يكبـح ما بينهمـا من تعـارض، أو تنـافر: التـأنيث والتـذكير، المسموع والمرئي، الأرضي والسماوي، البشري والطبيعـي، الأيدلوجـي والأسـطوري، الصعـود والنـزول. أي أن التعارض بينهما ظلّ كثيفاً وبالغ القوة طوال القصيدة.

يشتمل العنوان، من خـلال ثنائية المضاف والمضاف إليه، على طاقة تفجيـرية داخلية غزيرة، فهو مشحون بالتضاد: يتصل عبر التركيب وينفصل من خـلال الدلالة، وبذلك، فـإن هذا العنوان يمهد، ومنذ البدايـة، لبنية نصية تعتمد حركة من التأرجح المستمر بين الثنائيات التي تحكم القصيدة من المطلع وحتى الخاتمة.

والقصيدة، بهذا المنطق، لا تتجه صوب غرضها في خط مستقيم، بل تسعى إلى إنجازه من خلال نموها الحافل بالكثير من التعثر، والتراجع، والإحباط، والمفاجآت المخيبة التي تشكل حيوية النص. وهكذا فإنّ منطق العنوان، القائم على التوتر، يهيئنا لتلقّي النص عبر هذا المنطق ذاته: أعني التضاد، والتخييب الذي يهيمن على نسيج النص ودلالته، على حد سواء، دون أن يحسم هذا التوتر بطريقة باترة حتى نهاية النص.

 

لابد من الإشارة إلى ظاهرة لم يلتفت إليها، معظم دارسي هذه القصيدة السيّابية الرفيعة؛ فهي، زمنياً، نصٌّ ليليٌّ بامتياز: تتشكل من لغة ليلية وارفة، ويخيم عليها، من مفتتحها حتى النهاية مساءات تتثـاءب، وأقمـار مطفأة، ورحيـل في الظلمـة، وضباب من الأسـى، وغيوم تنتحـب، ونوم يبلله هذيـان الأطفال. وليس هناك من إشـارة، أو صـورة أو مشهد نهاري واحـد، فالقصيـدة تتجنـب مشهد النهار أو أياً من مسمياته، أو أجزائـه، أو تفاصيلـه.

ويبدو أن أحداث القصيدة كلها، تدور في زمن ليلي خانق: إنه زمن الطلْق واختمار التحولات والتأمل والذكرى، زمن الأحلام والكوابيس والحيرة والمفاجآت، وهو زمن التحديق في آبار الروح، وإيقاظ خزين الذاكرة. أما النهار فهو وجهة القصيدة أو هدف حركتها، وهو هدف، كما نرى، صعب، ومشوش إلى حد كبير، نلتقيه في خاتمة القصيدة باعتباره غداً محلوماً به. ما عدا ذلك فقد جاءت صور القصيدة مكدرة، يحف بها الليل، والغبش، والأقمار الآفلة.

يبـدأ زمن النص بالسَـحَر، ثم تتشكل حركاته من مجموعة من الاندفاعات الاسترجاعيـة التي يتـم، من خلالها، العودة مراراً إلى بدايات الليل وتعرجاتـه، حيث تـرقد هناك أجـزاء من الواقع وأمشـاج من الأسـاطير والأزمنـة المبعثـرة. لنتأمل مفتتـح القصيدة:

عينـاك غابتا نخيل سـاعة السحر

أو شـرفتان راح ينأى عنهما القمر

السَّحَر، هنا، ليس خصلة منزوعة من شجرة الزمن، بل هو، بطبيعته، زمن أسطوري. إنه العش المعتم للأساطير، نقطة تجمعها، ومنطلق حركتها في البدايات الأولى وقد خالطها الوهم، والعتمة، والتخيلات المريعة. كما أن كلمة السحر، مجتمع لإيحاءات جمّة، وتشظيات تأويلية غزيرة، فهي تنتسب، بقوة إضافية أخرى، إلى زمن الرقى وإيحاء السحر عبر المحاكاة ورابطة التجنيس (سَحَر سِحْر). وهذا ما تفعله القصيدة من خلال محاكاتها لحركة المطر: هطوله، وتموجات إيقاعه، وما يبعثه في النفس والجسد من بهجة يخالطها الأسى والحنين غالبا ً. وللكلمة قشرة دلالية أخرى حين تتعلق بالفتنة والجمال الذي يفتك باللب، ويخرج بالبشر من الرصانة إلى الذهول الذي يشبه الغياب في ماء النوم أو الدهشة. 

وهكذا يحتشد البيت الأول بكل هذا الثراء بفعل هذه الكلمة الزمانية الظليلة، التي يمتزج فيها آخر الليل بأول الفجر، في دبيب لوني عصيّ على الوصف. أما البيت الثاني، فلا يقل عن سابقه صلة بالزمن، وهذه الصلة تتجاوز كلمة (القمر) مجردة عن حركتها التي تشبه الرفيف الممعن في عذوبته:

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

إن عبارة (راح ينأى) تتميز على أي بديل آخر لتجسيد الدلالة ذاتها. إنها أشد إيحاءً من الفعلين (راح) و(ينأى) منفصلين، كما أنها أشد وقعاً، على النفس، بما تنضح به من دلالة ليلية غامرة.

وبذلك فـإن هذا المفتتح المضبّب، مفعم بالإيحاءات والظـلال، وكأن البيتين يمهـدان، ومنـذ البدايـة، لهذا النص الليلي الذي يشـتبك بصـور الأفـول وأجـواء العتمـة دون أن يتشبث بها حتى النهايـة، بل يخدش تماسكها بشـروخ من الأمـل تومض، مثل جرح، بين آونـة وأخـرى.

تعليقات


bottom of page