دكتور منتصر نبيه محمد صديق: المثيولوجيا والقصيدة العربية المعاصرة
- Seagulls Post Arabic

- 3 فبراير 2025
- 5 دقيقة قراءة

دكتور منتصر نبيه محمد صديق: المثيولوجيا والقصيدة العربية المعاصرة
يرتبط مفهوم المثيولوجيا بالأساطير والخرافات القديمة التي تحمل في أبعادها الثقافية والاجتماعية اعتقادات راسخة لثقافة
بعض المجتمعات في الإيمان والتصديق لقصة أو شائعة أو طقوس ما، ربما كان لها حضورها الحقيقي في زمن معين، حيث يتم تداولها من جيل إلى جيل ومن زمن إلى زمن بقصد الحفاظ على تلك القصة من الضياع، وللحديث عن طبيعتها الخارقة، إذ أصبحت الميثيولوجيا تمثل الدستور الفكري والاعتقادي للشعوب، ودائما ما يرتبط هذا المفهوم بأسماء بعض الألهة أو الأشخاص أو حتى الحيوانات الخارقة التي يضفي عليها الناس – مع مرور الزمن- طابعًا أسطوريًا وخياليًا لتصبح بعد ذلك أحد أهم الرموز التي تعبر عن الوعي الثقافي لأمة ما دون غيرها من الأمم الأخرى، ولذلك ارتبط (آريس) إله الحرب، و(أبولو) إله الفنون، و(آثينا) إلهة الحمكمة، و( أفروديت) إلهة الجمال والحب بالمثيولوجيا الإغريقية، وشكلت تصورًا عامًا يرتبط بالوعي الجمعي لدى أبناء تلك الثقافة، ولعل أسطورة (جلجامش، ذلك الزعيم الذي ذهب في رحلة شاقة مليئة بالمخاطر والكوارث من أجل الحصول على مفتاح الحياة الأبدية) كانت أول وأقدم الأساطير التي تناقلتها الألسن في بلاد ما بين النهرين في حوالي 3000 قبل الميلاد، كما ارتبطت المثيولوجيا الفرعونية في مصر القديمة بأسطورة (إيزيس وأوزوريس) وأسطورة (حورس)، (وخلق الأرض، وخلق البشر والقمر، وأسطورة النداهة، وبتاح إله الحرفيين) وغيرها من الأساطير المتنوعة، وكان للثقافة الإسلامية أيضًا جانب من تلك المثيولوجيا، إذ تناقلت الأجيال أسطورة سيدنا علي بن أبي طالب عندما خلع باب خيبر بمفرده، وأسطورة سيدنا ضرار بن الأزور عندما هجم على جيش الروم بمفرده، وغيرها من تلك الأساطير التي كان لها حضورها الخاص.

وللمثيولوجيا دور رئيس في البحث عن ثقافة المجتمعات واعتقاداتها، ورؤيتها للعالم والسنن الكونية، فهي جزء لا يتجزأ من الحضارة لارتباطها بالمقدس والخارق، وبالوعي والاعتقاد، ولذلك اتجه العلماء والأدباء في العصر الحديث إلي المثيولوجيا، وعدوها مصدرًا من مصادر المعرفة التاريخية، ومن ثم يرى (رولان بارت) أن "الأسطورة تمثل نظامًا تواصليًا"، بل راح الشعراء – لا سميا شعراء الحداثة- يكشفون عن صراعات الذات الإنسانية باعتبارها محور الوجود عن طريق توظيف الأسطورة داخل قصائدهم، في محاولة منهم لربط الماضي بالحاضر، والواقعي بالخيالي، وإسقاطها على الواقع بشكل رمزي، يتخطى الحاضر ويكشف عنه.
ولعل الشعر المعاصر كان أكثر ارتباطًا بالمثيولجيا من غيره، لتبنية فكرة الغموض، والبحث عن مصير الذات الإنسانية وهمومها، والتعبير عن الواقع بشكل غير مباشر، ومن ثم وظف الشعراء الحداثيون الأسطورة بشكل كبير في محاولة منهم لاستدعاء أحداث وأفكار قديمة ومن ثم اسقاطها على الواقع، وإعادة للتجارب الأولى التي كان يجد الإنسان فيها خلاصه الفكري المتعلق بقوة الرمز الأسطوري وأفعاله الخارقة، وقد جاء كتاب السير جيمس فريزر المعنون ب ( الغصن الذهبي) الذي صدر عام 1890م من أوائل الكتب التي درست المثيولوجيا بشكل مفصل، إذ يقول كما أوردت الدكتورة (ريتا عوض) في كتابها (أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي)، بأن "الأسطورة تنمو في الدين والأدب والفن بعد أن تموت الطقوس التي كانت علة وجودها" ولذلك يأتي الترميز الأسطوري كأبرز السمات الفنية الجديدة للقصيدة الحديثة، إذ يحاول الشاعر الحداثي قدر الإمكان الابتعاد عن الوصف المباشر، والتعبير بلغة أكثر غموضًا وإثارة عبر استحضار الأسطورة؛ ذلك أن جمالياته تتجلى في الإيحاء لا التقرير، والبعيد لا المباشر، والبحث عن المعاني والأفكار غير السطحية؛ وذلك من خلال الولوج إلى اللاوعي الإنساني، هذا بالإضافة إلى استدعاء مرجعيات ثقافية وتاريخية وأدبية وأسطورية متعددة داخل النص الشعري، وهذه المرجعيات تأتي دائمًا مرتبطة بتجربة الشاعر في اللحظة الآنية للإبداع، ومعبرة عن راهنه الذي يعيشه ويشعر به "فمهما تكن الرموز التي يستخدمها الشاعر ضاربة بجذورها في التاريخ، فإنه حين يستخدمها الشاعر المعاصر لا بد أن تكون مرتبطة بالحاضر، بالتجربة الحالية، وأن تكون قوتها التعبيرية نابعة منها، فالقيمة نابعة في لحظة التجربة ذاتها" (عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية). والشاعر يستطيع أن يستدعي الرموز الأسطورية بشكل خاص وما تحمله من مرجعيات مختلفة ويكسو بها تجربته الحاضرة، لأن الظروف السياسية والاجتماعية والحضارية في العصر الحديث فرضت على الشعراء البحث عن توظيف المثيولوجيا للخلاص من الواقع المرير، والقلق الاجتماعي.

لقد أفادت القصيدة الحديثة من دينامية اللغة وحيويتها فوظفت الرمز والأسطورة، والمرايا، وغيرها من التمثيلات الفنية الحداثية، ولعل تلك الرموز الأسطورية والأقنعة نقلت لنا بصورة غير مباشرة معاناة الإنسان العربي في تلك الفترة التي بثت فيها الحداثة أفكارها وركائزها، وذلك الفشل الكبير في اعتمادها على المادية فقط ، ومن ثم راح الشعراء يبحثون عن مخرج لتلك الأزمة عبر بحثهم عن الغيبي والخيالي، لا سيما الشعراء العرب في العصر الحديث، فنجد السياب يوظف الرموز الأسطورية، والدينية، والعربية، (تموز، وعشتار، والمسيح، وسيزيف، والسندباد) وراح البياتي يوظف مثل تلك الرموز: (الخيام، الحلاج، لوركا، ديك الجن، أوريفوس، العنقاء) ، كما وظفت نازك الملائكة بعض الرموز منها: (الكوليرا، أبولو، نارسيس، بلاوتس) "وقد مثل الرعيل الأول في حركة الريادة الحداثية في الشعر العربي بتلك الرموز قلق الإنسان العربي المعاصر، وهمه الوجودي العميق جراء واقع حضاري مثقل بمظاهر القمع والاستلاب، إذ وجد أولئك الشعراء في تلك الرموز متنفسًا للتعبير عن تطلعاتهم الإنسانية، وتوقهم إلى الحرية والخلاص" (مسلم حسب حسين: جماليات النص الأدبي، دراسات في البنية والدلالة)، فراح كل منهم يوظفها توظيفًا يتناسب وموقفه من الحياة، بل اختص كل منهم برموز فردية ارتبطت به ارتباطًا وثيقًا جعل يوظفها داخل أشعاره المتعددة بصورة ملحوظة، وكانت المثيولوجيا هي مبتغاهم الفني الأول في التعبير عن صراعهم النفسي وحياتهم القلقة المضطربة، وراح عدد كبير منهم يوظفها: كبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ويوسف الخال ومحمود درويش وغيرهم الكثير.
وقد كان أدونيس من أكثر الشعراء المعاصرين الذين وظفوا المثيولوجيا داخل قصائده لا سيما المثيولوجيا اليونانية فنراه يوظف أسطورة ( تموز، عشتار، جلجامش، أوزوريس، أورفيوس، الفينيق) والعديد من الأساطير اليونانية التي استطاع من خلالها أن يغذي قصيدته ببعض الأفكار الجديدة، وأن يكسبها حيوية ودهشة متعلقة بخصوصية الأسطورة في حد ذاتها، ولذلك تقول عنه الدكتورة حورية كريدات في بحثها عن الأسطورة في شعر أدونيس (إن توظيف أدونيس للأسطورة هو مرحلة جديدة لتجربة شعرية لا تستدعي الرموز والأسطورة في القصيدة فقط من أجل التعبير عن معنى رمزي وحسب، وإنما استدعاؤها هو دلالة جمالية موحية، وعلاقة تناصية بين الشاعر والأسطورة، حيث يحاول الشاعر أن يتوحد مع الأسطورة كليًا، فهي علاقة توحد وليست استعارة، حيث يتصور عالمًا خاصًا به، إذ ينشد الخلاص من جهة، والتغيير من جهة أخرى) ولذلك نجد أن أدونيس يتماهي في كثير من الأحيان مع الأسطورة داخل قصائدة رامزًا في ذلك إلى التغيير والخروج من حالة الثبات التي يعيشها المجتمع العربي، فالمثيولوجيا هنا جاءت كأداة تعبير عن الهم الذاتي، وتعبيرًا عن القلق الوجودي، فنراه على سبيل المثال يقول في قصيدته (البعث والرماد)موجهًا كلامه إلى طائر الفينيق الذي يمثل لديه رمزًا للبعث والخلاص بعد عملية الاحتراق:
غربتك التي تميت غربتي
غربتك التي تحب تنتشي
غربتك الوحيد فيها غربتي
غربة كل خالق يحترق
يولد فيه الأفق.
..........
فينيق مت فدى لنا
فينيق ولتبدأ بك الحرائق
لتبدأ الشقائق
لتبدأ الحياة.
ونجد كذلك أن "يوسف الخال" يوظف المثيولوجيا اليونانية من أجل استدعاء أحداثها المرتبطة بها، وشحنها داخل قصيدته لأغراض فنية، فنراه يقول في قصيدة (السفر) في ديوان البئر المهجورة:
وقبلما نهمّ بالرحيل نذبح الخراف
واحدًا لعشتروت وواحدًا لأدونيس
وواحدًا لبعل، ثم نرفع المراثي
الجديد من قرارة البحر
ونبدأ السفر.
فالشاعر الحداثي من خلال الثقافة الميثيولوجية وتوظيفها داخل قصيدته يسعى إلى إحداث توازن بين مادية الحياة في العصر الحديث وبين الجانب الروحي الذي تضفيه الأسطورة، هذا بجانب الخصائص الفنية التي تعكسها الأسطورة داخل النص، حيث تحمل معها الدهشة، والاستدعاء، والمغايرة، وملامسة روح المتلقي للوجود غير الموجود، هذا بالإضافة إلى تعزيز البعد الدرامي الذي أصبح سمة مهمة من سمات القصيدة الحديثة.
ونجد أيضًا الشاعر (بدر شاكر السياب) يوظف عددًا كبيرًا من الأساطير في قصائده، ويجعلها نقطة مركزية للفعل الدلالي بداخلها، فنراه يعبر عن واقعه المأساوي من خلال أسطورة ( أوديب) في قصيدته (المومس العمياء)، ويقول:
من هؤلاء العابرون؟
أحفاد أوديب الضرير ووارثوه المبصرون
جوكست أرملة كأمسن وباب طيبة ما يزال
يلقي أبو الهول الرهيب عليهن من رعب ظلال.
في النهاية يمكننا أن نؤكد على أن المثيولوجيا قد مثلت جانبًا مهما من جوانب التعبير والتدليل داخل القصيدة المعاصرة، وشحنتها بطاقات دلالية وفنية جديدة افتقدتها لأزمنة طويلة، كما أنها جاءت كردّة فعل على الواقع وأحداثه عبر ما تضفيه من ركام معرفي يرتبط بالحادثة محل الأسطورة.





























تعليقات