مارغريت آتوود: الحقوق التي نتمتع بها اليوم يمكن أن تُُسلب غدًًا إذا لم نكن يقظين...
- Seagulls Post Arabic

- قبل 3 ساعات
- 6 دقيقة قراءة

حوار مع مارغريت آتوود
مارغريت آتوود: الحقوق التي نتمتع بها اليوم يمكن أن تُُسلب غدًًا إذا لم نكن يقظين...
أجرت الصحفية كيتي دروموند مقابلة مع الأديبة الكندية الكبيرة مارغريت أتوود لصالح بودكاست "The Big Interview" التابع لمجلة WIRED.تأتي هذه المقابلة بمناسبة صدور مذكرات أتوود الجديدة بعنوان "كتاب الحيوات" (Book of Lives)، حيث تفتح "نبيّة الأدب" الكندي قلبها لتتحدث عن رحلتها من البراري الكندية النائية إلى قمة المجد الأدبي، مشتبكة مع قضايا العصر الراهنة من ذكاء اصطناعي وتغير مناخي وصراعات سياسية بأسلوبها المعهود الذي يمزج بين الحكمة والفكاهة اللاذعة.
قضت مارغريت أتوود (٨٦ عامًا) معظم سنوات عمرها في كتابة غزيرة الإنتاج شملت مختلف الموضوعات والأساليب الأدبية، من الخيال التأملي إلى الشعر وكتب الأطفال؛ وغالبًا ما كانت تغوص في أعماق علاقاتها وتجاربها الخاصة للقيام بذلك. ولكن، لم تقرر الكاتبة الشهيرة تدوين قصة حياتها على الورق إلا مؤخرًا
في مذكراتها المنشورة مؤخرًا بعنوان "كتاب الحيوات"
تسرد أتوود كل شيء، بدءًا من شبابها في البرية الكندية، مرورًا بسنوات عملها المهني الأولى التي كدحت فيها في ظل غموض نسبي، وصولًا إلى مختلف الضغائن وتصفيات الحسابات التي أصبحت أخيرًا قادرة على خوضها بحرية—بما أن الأشخاص المعنيين قد فارقوا الحياة إلى حد كبير.
الحوار:
-نبدأ بتعريفك الخاص للتكنولوجيا، أنتِ لا تحصرينها في العالم الرقمي، فكيف ترينها؟
التكنولوجيا بالنسبة لي هي أي شيء ابتكره البشر لتوسيع قدراتهم الجسدية أو الذهنية. الأداة في حد ذاتها محايدة، سواء كانت حجراً مسنونًا أو ذكاءً اصطناعيًا. إنها "سلاح ذو حدين"؛ فالقلب البشري والنية هما ما يحددان ما إذا كانت هذه الأداة ستُستخدم للبناء أم للتدمير.
- يصفك الكثيرون بـ "النبية" بسبب دقة توقعاتك في رواياتك، هل تتقبلين هذا اللقب؟
أرفض هذا الوصف تمامًا. أنا لا أتنبأ بالمستقبل، بل أنظر إلى الماضي. عندما كتبت "حكاية خادمة"، وضعت لنفسي قاعدة صارمة: لن أدرج أي حدث أو تكنولوجيا لم تكن موجودة بالفعل في التاريخ البشري. ما أفعله هو تذكير الناس بأن "هذا يمكن أن يحدث هنا" إذا ما تكررت الظروف التاريخية للأنظمة الشمولية.
- ما هو موقفك الحقيقي من الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجال الكتابة والإبداع؟
أنظر إليه بمزيج من الواقعية والشك. الذكاء الاصطناعي بارع في توليف ما هو موجود بالفعل، لكنه يفتقر إلى "التجربة المعيشية". الآلة لا تمتلك جسدًا، لا تشعر بالألم، ولا تخشى الموت. هذه العناصر هي جوهر الدافع البشري لسرد القصص، لذا أرى أن أعمال الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى "الروح" الإنسانية.
- تتحدثين كثيرًا عن "الأمل العملي" فيما يخص التغير المناخي، ماذا تقصدين بذلك؟
البيئة هي الأساس الذي لا يمكن تجاوزه؛ فبدون كوكب صالح للحياة، لا معنى للاقتصاد أو السياسة. "الأمل العملي" لا يعني التفاؤل الساذج، بل يعني التركيز على الحلول الملموسة والقابلة للتطبيق الآن، بدلًا من الغرق في "شلل اليأس". اليأس هو شكل من أشكال الاستسلام الذي لا يمكننا تحمله.

- هل تعتقدين أن البشرية قادرة على حل أزمة المناخ من خلال التكنولوجيا وحدها؟
التكنولوجيا جزء من الحل، لكنها ليست الحل كله. نحن بحاجة إلى تغيير في الإرادة السياسية وفي الطريقة التي ندرك بها علاقتنا بالطبيعة. لقد اخترعنا بالفعل العديد من الحلول (مثل الطاقة الشمسية، وتقنيات عزل الكربون)، لكن المشكلة تكمن في سرعة التنفيذ ومقاومة المصالح الاقتصادية القديمة.
- في ظل هيمنة منصات التواصل الاجتماعي، هل تعتقدين أن "الرواية" كتكنولوجيا ما تزال صامدة؟
الرواية تكنولوجيا مرنة للغاية. الكتاب هو جهاز "محمول، يعمل على مدار 24 ساعة، ولا يحتاج لبطارية". إنه الوسيط الوحيد الذي يسمح باتصال عميق وهادئ بين عقل الكاتب وعقل القارئ، وهو أمر لا يمكن للمحتوى الرقمي المجزأ والسريع أن يحاكيه أو يستبدله.
- لو كان عليكِ العيش داخل كتاب لمدة عام، أي كتاب تختارين؟
من أجل الهدوء والسكينة، أختار كتاب "Anne of Green Gables". تدور أحداثه قبل الحرب العالمية الأولى، قبل أن تحدث كل فظائع القرن العشرين.
- ما هي الإشاعة أو المفهوم الخاطئ عنكِ والذي تستمتعين به سراً؟
هناك إشاعة ظهرت عام 1970 تقول إنني أرتدي ملابس البلاط الفرنسي ما قبل الثورة مع شعر مستعار ضخم وأتجول في شوارع تورونتو ليلًا. لا أعرف من أين أتت، لكنها ممتعة.
حول النشأة والبدايات
- كتبتِ قصتك الأولى في سن السادسة، وقلتِ إنه لم يكن هناك الكثير لتفعليه في البراري الكندية. أخبرينا عن طفولتك في تلك المناطق النائية؟
والدي كان عالم حشرات غابات، وكنا نقضي الأشهر التي تلي ذوبان الجليد في الغابات لدراسة الحشرات. لم أذهب للمدرسة بانتظام حتى سن الثانية عشرة. علمتني تلك الحياة الارتجال، فإذا تعطل شيء لا يمكنك الاتصال بالمصلح، بل عليك إصلاحه بنفسك.
- لقد قضيتِ عقودًا في وضع مالي غير مستقر قبل أن تصبحي مشهورة. كيف أثر ذلك عليكِ؟
لا يوجد كاتب يبدأ وهو غني. عملت في وظائف عديدة؛ باحثة في التسويق، محاضرة، مدرسة. التنقل من مكان لآخر ومن وظيفة لأخرى يمنحك خبرة في كيفية عيش الناس الحقيقيين، وهو أمر ضروري لكتابة الروايات.
- متى أدركتِ أن حياتك وعائلتك ستكونان مصدراً لقصصك؟
حدث ذلك بشكل عفوي. والداي كانا حكّائين رائعين. والدتي كانت تروي قصصًا مضحكة عن عائلتها غريبة الأطوار، ووالدي كان يروي مغامرات مرعبة في الغابات. تعلمت منهما أن القصص لا يجب أن تكون عن سندريلا فقط، بل عن أشخاص نعرفهم.

عن الأحلام والذكاء الاصطناعي
-تذكرين أحلامك كثيراً في مذكراتك. ما هي أهمية الأحلام بالنسبة لكِ؟
الأحلام خاصية إنسانية مشتركة. أحيانًا تكون مجرد "تخلص من النفايات الذهنية"، وأحيانًا تكون مهمة جدًا لأنها تتصل بمشاكل نعيشها. إذا كان لديك مشكلة إبداعية أو علمية، غالبًا ما تجد الحل عند الاستيقاظ لأن عقلك استمر في العمل.
-ما هو موقفك من الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن أن يكون أداة مفيدة في الفن؟
هو مثل أي أداة بشرية أخرى؛ له استخدامات جيدة وسيئة. الذكاء الاصطناعي حاليًا هو "شاعر رديء" ومقلد سيء لي. الآلة لا تمتلك جسدًا ولا تشعر بالألم أو الخوف من الموت، وهذه هي المحركات الأساسية لسرد القصص البشرية.
السياسة وحقوق المرأة
- رواية "حكاية خادمة" (The Handmaid’s Tale) تبدو واقعية جداً اليوم. هل كنتِ تشعرين ببوادر هذا التراجع في حقوق المرأة في الثمانينيات؟
نعم، مع انتخاب رونالد ريغان صعد ما يسمى "اليمين الديني" كقوة سياسية. كنت أجمع قصاصات الأخبار عما يقوله الناس آنذاك. عندما يقول الناس إنهم سيفعلون شيئًا إذا حصلوا على السلطة، فأنا أصدقهم. فكرت حينها: كيف يمكن إعادة النساء إلى وضع السيطرة؟ الحل كان عبر التكنولوجيا والمال، مثل إلغاء بطاقات الائتمان الخاصة بهن.
سؤال: هناك قلق كبير اليوم حول وضع "الرجل الشاب" وتأثير شخصيات مثل جوردان بيترسون. ما رأيك؟
مارغريت أتوود: إنها أزمة حقيقية. الشباب اليوم يشعرون بأن لا أحد يستمع إليهم، أو أنهم "سيئون" بالفطرة. في الماضي كان هناك الجيش أو الكشافة لمنحهم اتجاهاً، أما الآن فهم يشعرون بالضياع ويجتمعون في مجموعات عبر الإنترنت لأنهم يشعرون أن هناك من "يراهم" أخيراً.
اختراع "القلم الطويل" (The LongPen)
- لقد اخترعتِ تقنية لتوقيع الكتب عن بعد، "القلم الطويل". كيف بدأت الفكرة؟
بدأت لأنني رأيت أن دور النشر لا ترسل المؤلفين إلا للمدن الكبيرة. فكرت: لماذا لا نوقع الكتب عن بعد؟ كان التحدي هو جعل التوقيع دقيقًا تمامًا كأنه بالحبر الحقيقي. والآن تطورت الشركة لتصبح "Syngrafii" المتخصصة في التوقيعات الرقمية القانونية المؤمنة.
- ما هي نصيحتك بشأن مستقبل الديمقراطية والحقوق التي اكتسبتها المجتمعات؟
التقدم ليس خطًا مستقيمًا، والحقوق التي نتمتع بها اليوم يمكن أن تُسلب غدًا إذا لم نكن يقظين. نصيحتي هي البقاء على اطلاع دائم ومراقبة علامات الإنذار المبكر التي يقدمها لنا التاريخ. الحرية تتطلب دفاعًا مستمرًا ولا يمكن اعتبارها أمرًا مفروغًا منه.
- لقد ذكرتِ أنكِ تتابعين الأخبار بشكل مكثف (Doomscrolling)، ألا يصيبكِ ذلك بالإحباط؟
أنا أتابع الأخبار لأنني أريد أن أعرف "أين تقع الألغام". لا يمكنك المشي في حقل ألغام وأنت تغلق عينيك. المعرفة بالنسبة لي هي وسيلة للبقاء وليست مجرد وسيلة للإحباط. أنا مهتمة برؤية كيف تتشكل الأنماط التاريخية من جديد في حاضرنا.
- بالحديث عن الأنماط، كيف ترين "رد الفعل العنيف" (Backlash) الذي نراه اليوم ضد حقوق المرأة؟
هذا ليس مفاجئًا إذا نظرت إلى التاريخ. كلما حدث تقدم كبير في الحقوق، يتبعه رد فعل من المجموعات التي تشعر أن مكانتها مهددة. في "حكاية خادمة"، صورتُ كيف يمكن للانقلابات المفاجئة أن تلغي عقودًا من التقدم في ليلة وضحاها. ما نراه اليوم هو تذكير بأن الحقوق ليست حقوقًا طبيعية دائمة، بل هي اتفاقيات مجتمعية يجب حمايتها باستمرار.
- ذكرتِ مشروع "مكتبة المستقبل" (Future Library)، هل يمكنكِ إخبارنا لماذا وافقتِ على كتابة نص لن يقرأه أحد إلا بعد مائة عام؟
إنه تمرين على "الأمل العملي". لكي يقرأ شخص ما كتابي في عام 2114، يجب أن يكون هناك غابة (لصناعة الورق)، ويجب أن يكون هناك بشر، ويجب أن يكونوا قادرين على القراءة. الموافقة على المشروع هي إيمان بأن المستقبل سيكون موجودًا، وأن الحضارة الإنسانية ستستمر بطريقة ما.
- ما هي النصيحة التي تقدمينها للكتاب الشباب في عصر "التشتت الرقمي"؟
اقرأوا بعمق، وليس فقط ما هو متاح على الشاشات. الكتابة تتطلب عزلة وتركيزًا، وهو ما تحاول التكنولوجيا الحديثة سرقته منا. ابحثوا عن صوتكم الخاص بعيدًا عن "الخوارزميات" التي تحاول جعل كل شيء متشابهًا.
- في نهاية المطاف، هل أنتِ متفائلة أم متشائمة بشأن المستقبل؟
لا أحب هذه التصنيفات. أنا "واقعية". المتفائل يقول: "كل شيء سيكون بخير دون فعل شيء"، والمتشائم يقول: "كل شيء ضاع فلا فائدة من فعل شيء". أنا أختار أن أكون في الوسط، حيث يوجد العمل والجهد. الأمل بالنسبة لي هو "فعل" وليس مجرد شعور.

























تعليقات