top of page
Seagulls Post Arabic

سيد الوكيل: الأحـلام والإبداع.. نجيب محفوظ نموذجًا

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 5 فبراير 2025
  • 6 دقيقة قراءة

سيد الوكيل - مصر
سيد الوكيل - مصر

سيد الوكيل: الأحـلام والإبداع.. نجيب محفوظ نموذجًا 

عبر التراث الإنساني، كانت الأحلام وتفسيراتها هاجعة في ظلال التفكير الميتافيزيقي، حتى جاء (سيجموند فرويد) الذي نشر في العام (1900م) أولَ محاولة علمية لدراسة الحلم بوصفه نشاطًا آليًا في عمل الدماغ. وبهذا، تدخل الأحلام في سياق التفكير العلمي، وتنتج نظرياتها حول تشكل الحلم، وأنماطه، وآليات إنتاجه، ومرجعياته، بل وسيرورته لاستقراء دوره في التركيب النفسي للإنسان عبر تاريخه. ومع ذلك، فقد أكد فرويد، على أن الحلم مرتبط بالحياة الواعية؛ أو بمعنى آخر بالواقع المعيش، ومن ثم فهو يكشف عن المقموع في الداخل، ولا علاقة له بالنبوءات. هكذا يصبح الحلم خلقًا خياليًا مرجعه الواقع كأي نص أدبي، وفي نفس الوقت، تعبيرًا عن المكبوت في اللاوعي، بتأثيرات الواقع المعيش.


نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

 معنى هذا أن الحلم يقدم الذات الإنسانية في صورتيها الواعية واللاواعية. ومن ناحية أخرى فلغة الحلم من مادة الصور والرموز، وبهما تُمثّلُ المشاعر والمكبوتات، وهى نفس الآلية التي يعمل بها العقل المبدع. لهذا فإن (جستون باشلار) يضع الإبداع في سياق أحلام اليقظة.

لقد رسم (فرويد) للحلم مسارًا محددًا وعلميًا، فالوقائع والأحداث التي تسبق الحلم في يقظتنا، هي مجرد محفزات، لتحريك المكبوت في لاوعينا منذ طفولتنا، وهي تخرج أثناء النوم في صور رمزية، ذات معنى جنسي، هكذا يبدو اللاوعي عند فرويد، هو صندوقنا الأسود، أو سلة قمامتنا التي نخفيها.

 أما (كارل جوستاف يونج) فقد ذهب لأبعد من ذلك كثيرًا. فحرر الحلم من الارتباط الشرطي بالجنس، وحرر لغته الرمزية. فاللاوعي هو تكوين موروث عن وعي بدائي يرجع لطفولة الإنسانية، حيث الأساطير الأولى التي تفسر الوجود، وتنتج نماذج قبلْية موجودة عند كل البشر، وهذه النماذج، تمضي في صيرورة رمزية عبر التاريخ لتسكننا، وهي شديدة المراوغة، ذات طبقات ومستويات عدة،  ومن ثم، فهي محملة بكل رموز التاريخ البشري وليس الرموز الجنسية فقط، فالنار، والماء، والتيه، والموت، وغيرها الكثير، هي رموز قد تظهر في الحلم، ويجب أن تقرأ في سياقها الموضوعي وليس على إطلاقها، ومن ثم، فتفسير الحلم، هو قراءة لرموزه في سياق موضوعه، طبقة بعد أخرى.

 يعني هذا أن للحلم بنية كلية مثل أي نص أدبي، تترابط علاماته فيما بينها. وفي هذا السياق، يرى عالم النفس المصري (يحيى الرخاوي) في معرض قراءة الحلم رقم (4) من أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ: "أن الأهم من البحث عن الرمز هنا وهناك، هو رصد هذه النهايات المفتوحة بشكل تشكيلي محرك لوعي المتلقي والشاهد في كلام  الرخاوي، أن التعامل مع  الأحلام المسرودة كتابةً، لا يكون بتفسيرها الرمزي فحسب كتفسيرنا لأحلام النوم، ولكنها قراءة تشمل كل طرائق وأساليب تشكيل الحلم، بوصفه نصًا أدبيًا.  

ولأن الأحلام هي أكثر آليات اللاوعي اشتغالاً في حياة البشر، نجد أن حضورها المصاحب للشخصيات في الأدب شائعًا ومألوفًا كما هو في الحياة؛ سواء كانت مضمرة في ثنايا العمل الأدبي، أو مقصودة لذاتها كأحلام فترة النقاهة.

 كان السرياليون قد التفتوا إلى أهمية توظيف اللاوعي وآليات إنتاج الحلم، وكتبوا بها قصصهم ورواياتهم، فجاءت مميزة في لغتها وعوالمها عن الأدب الواقعي. إذ أن السرياليين رأوا أن الانهماك في الواقع يعمق عزلة الفنان عن ذاته المبدعة، ومن ثم يتحول الإبداع إلى وظيفة فاقدة للروح. وتقوم فلسفتهم على إخضاع الكتابة لقوة داخلية تقهر الوعي، وتسمح بانفلاتات محسوبة للاوعي، فثم اعتقاد أن قوانين الواقع فرضت على الإنسان أن يعيش عبر أقنعة. والمبدع السريالي الذي يسعى لاستنطاق اللاوعي، يهدف إلى تحطيم هذه الأقنعة، وتحرير الداخل، بإطلاق الصور، والأخيولات، والرؤى السجينة فيه. ويمكننا ملاحظة أن هذه الوظيفة التي يسعى إليها المبدع السريالي، وثيقة الصلة بالوظيفة التعويضية، التي تحدث الاتزان عند (يونج) أي أنها وظيفة ذاتية تخص كاتبها، وليست موجهة إلى الشأن العام .

وسواء كانت وظيفة الأحلام، كشف المقموعات التي تسكننا كما يذهب فرويد، أو إحداث الاتزان من قبيل التعويض النفسي كما عند يونج، فإن كتابة الأحلام يمكنها أن تقوم بهذا الدور على نحو آمن. أي أن كتابة الأحلام ليست مجرد نشاط أدبي وحسب، بل هي مواجهة مباشرة مع ذواتنا، واستنطاق للاوعينا، وتحريره من تراكمات رحلة وجودنا. لذلك، فكتابة الأحلام، هي رحلة استشفاء، وتجديد لطاقة الحياة فينا، ربما لهذا، اختار نجيب محفوظ أن يسميها، أحلام فترة النقاهة. غير أن التأكيد على معنى الذاتية في سرد الأحلام، قد يوحي للبعض أنها لا تخص سوى كاتبها، ومن ثم يسقطون ما في الحلم على شخص الكاتب. هذا احتراز يقوله (الرخاوي) في إشارته إلى الحلم رقم (10) من أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ، يعكس تخوفه من أن نفهم الطيران في نهاية الحلم عل نحو جنسي، ويسقطه على شيخ يغالب نقاهته. 

يتفق (يونج) مع (فرويد) على ذاتية الحلم، إلا أن (يونج) يؤكد على أن لغة الأحلام تستمد طاقتها الرمزية من عالم أبعد كثيرًا من الواقع المعيش والتجارب الذاتية، فترجع إلى عالم بدائي سحيق، قبل أن تبدأ الحضارة الإنسانية في تشكيل منظومة القيم، والمعتقدات، والقوانين التي كونت النسيج الثقافي للمجتمعات، وأفضت إلى التمايز فيما بينها؛ بما يعني أن هذه اللغة البدائية، والتي يسميها (إيريك فروم) اللغة المنسية، كانت مشتركة بين كل البشر، وهي مازالت كامنة على نحو رمزي في أحلامنا.

اللغة البدائية للحلم، تفسر لنا وجود أحلام مشتركة في موضوعاتها بين البشر. فمثلاً: أحلام السقوط من المرتفعات، والاحتجاز في الأماكن الضيقة، أو التيه في الأماكن المظلمة، أو التعري بين الغرباء، أو الخوف من خطر النار، التي تعتبر من أشهر الرموز البدائية، التي حظيت بالاهتمام في التحليل النفسي على نحو ما تناولها جاستون باشلار . ولذلك تظل أهمية الحلم مرتبطة برموزه، كما هي مرتبطة بموضوعه، بل وحبكته سواء جاءت مفككة على هيئة صور متناثرة، أو جاءت عبر وقائع وأحداث متسقة فيما بينها. الأحلام المشتركة في موضوعاتها بين البشر، تحظى بخصوصية ترتبط بالتجارب النفسية والممارسات الحياتية، فأطفال المدارس مثلاً، قد تراودهم أحلام التأخر عن مواعيد المدرسة، أو التيه في الطريق إليها، أو نسيان شيء ما كالحقيبة أو كراسة الواجب. لكن تفسير مثل هذه الأحلام يعتمد على رمزية موضوع النسيان لا النسيان نفسه. فمثلاً: نسيان التلميذ للواجب المدرسي قد يعكس معنى تعويضيًا يسقطه التلميذ على المدرس، فتجاهل الواجب المدرسي هو تجاهل للمدرس، كما قد يكون تعبيرًا عن إحساس بذنب ذاتي نتيجة لتقصيره الدراسي. وعلى ما تقدم فإن رموز الأحلام ذات مستويات وطبقات متعددة، تمنحنا فرصًا لتأويلات وتفسيرات متعددة للحلم الواحد، تمامًا كما نفعل مع النص الأدبي.

 مما سبق، نفهم أن الأحلام هي الممارسة الإنسانية الأقرب إلى تجربة الكتابة، التي يصفها باشلار بشعرية أحلام اليقظة. فنحن نقرأ ذواتنا في نومنا، وفي يقظتنا نفسرها بحكاية عشناها، وهذا يعني قابليتها للتأويل والحكي كأي نص أدبي، لهذا، ففكرة كتابة الأحلام ممكنة ومقبولة، ليس فقط لتوظيفها في العمل الأدبي، ولكنها يمكن أن تكون سردًا مستقلاً ومميزًا في حد ذاته، على نحو ما كتب نجيب محفوظ (أحلام فترة النقاهة) فأنتجت شكلها الخاص سواء في كثافتها ودلالتها الوامضة، أو في لغتها الرمزية المفتوحة على التجربة الإنسانية، أو في طاقتها التخيلية المتجاوزة لحدود الواقع.

كما أن قراءة الأحلام مثل كتابتها، فهي من ناحية تنطق بتجارب إنسانية مشتركة، لكنها تبقي على الجزء الذاتي لكاتبها. وهذا الجزء الذاتي، هو الذي يعطيها قابلية التأويل المتعدد عند القراء، ويشملها بالسحر الذي قد نجده في النص الأدبي. فمثلاً، الكثير من قراء محفوظ استخدموا آلية الإسقاط على الواقع الاجتماعي لتفسير أحلام فترة النقاهة؛ ففي الحلم رقم (4) اعتبر البعض أن شخصية الزعيم التي ظهرت في الحلم، تحيل إلى شخص جمال عبد الناصر، وهو تفسير مقبول ولكنه مباشر وضيق؛ أما الدكتور (يحي الرخاوي) الذي جمع بين خبرة عالم النفس والأديب، يدرك أن رمزية الحلم قد تمتد إلى زمن سحيق في الفكر الإنساني. فالزعيم يمكن أن يكون له بعد إنساني واسع لأسطورة البطل المنقذ، التي تتجلى في صورة النبي، أو المهدي المنتظر، أو المسيح المخلِّص، كما يمكن وفقًا لآلية التمويه في الأحلام، أن تتماها صورة المسيح المخلص بالمسيخ الدجال، أي أن الرمز قد يحمل المعنى ونقيضه، بفضل آلية التمويه التي يمارسها اللاوعي.. 


يحيى الرخاوي
يحيى الرخاوي

هذا التركيب الخاص لسرد الأحلام، يجعله مختلفًا عن الواقعية السحرية، كون الأخيرة عملية توظيف لتراث الإنسانية ألغرائبي، يغيب فيها المعنيين: الشخصي والذاتي. كما أنه يختلف عن السريالية التي تمثل بناءًا مجردًا من أي بعد واقعي،


أحلام فترة فترة النقاهة لنجيب محفوظ
أحلام فترة النقاهة لنجيب محفوظ

أما الحلم فله سمات أكثر مرونة وتعقيدًا في نفس الوقت، حيث يلتبس بالوقائع والحقائق والأشكال المرئية بالعين؛ لهذا قد تبدو بعض الأحلام منطقية ومتماسكة فيمكن تذكرها وحكيها، ومن ثم محاكاتها سردًا. لكن علماء النفس يعتقدون أن ما نتذكره من أحلامنا لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا، أي أن ما نحكيه من الحلم بعد استيقاظنا، ليس هو بالضبط ما حلمنا به، بل تداعياته، بتدخلات من وعينا، ووقائع كنا طرفًا فيها، لهذا فتفسير الحلم، ممارسة إبداعية تذكرنا بدور المتلقي في نظرية القارئ والاستجابة لهانز أيزر. أما كتابته، فهي إعادة إنتاج لرموزه وآلياته بشروط أدبية كاملة.

عندما يصبح سرد الأحلام فنًا، نتمكن من السيطرة عليه وإدارته وفق شروط أدبية، فلسنا في حاجة إلى أحلام النوم لنكتبها، يمكننا أن نخلق أحلامنا في يقظتنا، ونكتبها، فلا يمكن تصور أن محفوظ في شيخوخته ونقاهته تذكر كل أحلام نومه وكتبها، بل ربما أفاد من خبرته في توظيف الأحلام في قصصه ورواياته، وأكد قدرته على استنطاق اللاوعي عبر التداعي الحر كذلك الذي يمكن أن نراه في كثير من أعماله منها: تحت المظلة، رأيت فيما يرى النائم، رحلة ابن فطومة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات


bottom of page