أحمد خريس - تامينا والمنفى المزدوج - قراءة في "كتاب الضحك والنسيان" لميلان كونديرا
- Seagulls Post Arabic

- 5 فبراير 2025
- 7 دقيقة قراءة

أحمد خريس - تامينا والمنفى المزدوج - قراءة في "كتاب الضحك والنسيان" لميلان كونديرا
يقرر سارد ميلان كونديرا في روايته "كتاب الضحك والنسيان": "أنها رواية عن تامينا، وفي اللحظة التي تخرج فيها تامينا من مسرح الأحداث، فإنها تصبح رواية لأجل تامينا". إن تامينا من أكثر شخصيات كونديرا النسائية إثارة للتعاطف، وبخاصة حين تسعى إلى أن تصل حاضرها الكئيب بشظايا الماضي. تحاول في البداية إعادة بناء ماضيها بتدوين تواريخ الأحداث وأماكنها، ويودي بها خوفها المتنامي من النسيان إلى محاولات يائسة لاستعادة أحد عشر دفتراً، كانت قد أودعتها يومياتها، وخلفتها وراءها في براغ. واليوميات توثق حياتها قبل النفي، وفيها ما تظن أنه شفاء لروحها. وعندما تخفق في جلبها، ببقاء اليوميات حبيسة الأدراج هناك، وخلف ستار حديدي أقامته السياسة، ينتهي بها المآل إلى الموت، بعد أن تحبس في جزيرة غريبة، يستوطنها الأطفال، وحيث لا مكان لذكريات الماضي.

إن حكاية تامينا البسيطة، كما يبدو للوهلة الأولى وبصورة خادعة، تعبير مجمل عن حكايات الرواية برمتها، فهي تصور بدرامية عالية أهمية الاعتماد على الذاكرة في الإبقاء على وشائج متخيلة بالماضي. فإخفاق تامينا الأوضح يتمثل في عجزها عن المحافظة على تلك الوشائج، وهو يظهر بجلاء في انعدام قدرتها على إعادة كتابة يومياتها أو استعادتها.
يبدأ الأمر عندما كان زوجها، الذي يكبرها بعشر سنوات، يستحثها على الكتابة عن حياتهما المشتركة، وهي تستجيب على الرغم من عدِّها تلك الكتابة تمريناً يومياً مملاً وشاقاً بروتينه البغيض. وتُظهر الصفحات البيضاء المكتثرة، والطبيعة المتشظية لما تسطِّره، فقدان تامينا الاهتمام، ولمسة الإبداع. إنها قادرة –وحسب- على التدوين الحرفي لانعدام الرضى عن الأيام التي تمضي ثقيلة، والتبرم، والشكوى.

لا يلبث زوج تامينا أن يموت بعد فترة قصيرة من هجرتهما. وعندما تغدو وحيدةً في المنفى، تتزايد لديها أهمية يومياتها التي تخلفها حبيسة أحد الأدراج في بيت حماتها. وتبدو اليوميات، إِثْر ذلك، الطريقة الوحيدة لاسترداد الماضي الضائع وحياتها الأولى التي عاشتها مع زوجها في تشيكوسلوفاكيا. ولأن تامينا عاجزة، بوصفها لاجئة سياسية، عن استرجاع اليوميات بنفسها، تحاول –بداءةً- أن تعيد كتابتها، معتقدة بسذاجة دونكيشوتية أن الكلمات والصور الذهنية تملك قوة إحياء الماضي، فتبتاع دفتر يوميات، وتقسمه إلى اثني عشر جزءاً، كل جزء فيه يعبر عن سنة من سنوات حياتها المفقودة.
لكن تامينا التي تفتقد من يُشاركها في المنفى ماضيها ويستطيع أن يفند تاريخاً مشكوكاً فيه أو ينبه على حدثٍ منسيٍ، تلقى صعوبة جمة في استعادة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بحياتها السابقة، لعجزها عن زيارة تلك الأماكن التي تسعف في شحذ الذاكرة. إنها مشتتة فقد فقدت كل إحساس بحركة الزمن أو الشعور بالمكان، وهكذا تعجز عن كتابة التواريخ الدقيقة واستذكار الأماكن وأسمائها في الإحدى عشرة سنة الضائعة، وتقرر تبعاً لذلك أن تلغي مشروعها. ويسهم هاجس التفاصيل في خنق ذاكرتها، ومنعها من التفكير التلقائي بماضيها، فخيالها معطل بالكامل، ويغدو السبيل الوحيد إلى استرجاع الماضي معلقاً باستعادة الدفاتر الأصلية لليوميات، لذا فهي تطلب من أحد معارفها الغربيين أن يذهب إلى براغ ويحضرها من بيت حماتها، بانيةً عبره جسراً مصطنعاً بين الوطن والمنفى، وتخفي عمن تبعثه أدني معلومة عن تلك اليوميات، ذلك أن صمتها حول هذا الموضوع مرتهن بمحاولتها حماية هويتها، فهي تشعر أن تحول حياتها الخاصة إلى عامة كفيل بضياع هويتها. فما يضفي على اليوميات تلك الأهمية أنها كتبتها لها وحدها، وعندما تفتقد تلك الخصيصة فستفقد الشعور بحميميتها، وعوض أن تقرأها من وجهة نظرها، فإنها ستقرأها من وجهة نظر الآخرين، الذين لن يهتموا إلا بكشف ما حاولت ستره عنهم، ولن تعود بعد ذلك مؤلفة اليوميات ذاتها. إنها تشبِّه عيون الآخرين بالمطر الذي يمحو كتابة على حجر، والضوء الذي يفسد صورة فوتوغرافية قبل أن تُحمَّض، وهي تؤمن أن تلك العيون تمتلك القدرة على مسح محتويات اليوميات التي لم تعد تمثل هويتها فحسب، وإنما حياتها بكاملها. تدرك تامينا أن ليس ثمة خطر كبير من جانب من تبعث بهم إلى بلدها الأم، فهم على الرغم من فضولهم، منكمشون بفعل الأخلاقيات المدنية الغرب-أوروبية إلى ذواتهم، مما يعفيها مؤقتاً من أسئلتهم. لكنها قلقة من نظرات الشرطة السرية التشيكية المستريبة، التي تلاحق كل شاردة وواردة، ولاسيما متابعة المراسلات مع الدول الأخرى، لذا فلقد استبعدت فكرة إرسال حماتها اليوميات بالبريد. بيد أن النهاية تحمل مفارقة عندما يدفع الفضول الحماة المؤتمنة على اليوميات إلى انتهاك سرية عالم تامينا الخاص.
والدافع الآخر لصمت تامينا إزاء محتوى يومياتها، رغبتها الجارفة في استعادة اختلافها الثقافي، فهي تشعر بانعدام الخصوصية، وربما السرية التي يتطلبها العيش في ظل نظام شمولي اعتادت الحياة في وجوده. إن السرية أمان يصعب تفسيره في المنفى، فالناس في بلدها الثاني يقدمون طوعاً على فضح أكثر أسرارهم حميمية، وعرض أفكارهم بجرأة. وعلى أي حال، فليس الاختلاف الثقافي المبني على أهمية الخصوصية هو ما يمنع تامينا من إطلاع الآخرين على ماضيها الشخصي وحسب؛ إنه عزوفها –كذلك- عن جسر الهوَّة بين الثقافتين، لأنها تدرك صعوبة "شرح" حياتها السابقة لمن لم يخبر التهجير القسري أو النفي، بطريقة تحفظ لتلك التجربة غناها واحترامها وتعقيدها. لقد استغرقت تامينا وقتاً طويلاً لتقتنع أنها لو أرادت أن تجعل حياتها ممكنة الفهم فإنها بحاجة إلى تبسيطها، فما الذي يدفع أي سلطة إلى مصادرة الرسائل الخاصة واليوميات؟ إن سارد الرواية يعكس عجز تامينا عن تقديم تفسير كلِّي لواقع بلدها الأم التاريخي عبر خلق قَطْع نصي في اللحظة التي تلقي فيها خطاباً طويلاً وخالياً من العاطفة حول الأوضاع السياسية في تشيكوسلوفاكيا لـ "هوغو"، وهو واحد من الأشخاص الذين تحاول إقناعهم بجلب يومياتها. إن محتوى هذه الخطبة الطويلة مهم لأنه الإفادة الوحيدة التي تدبجها تامينا حول بلدها الأم، لكننا نفاجأ بحيلة كونديرا الذي يدفع سارده إلى إسقاطها، ولا نعثر إلا على تعليق السارد اللاحق الذي يؤكد مصداقية ما جاء في الخطبة، وهو حين يؤكد ذلك يجذب الانتباه بصورة مفارقية نحو تعذر معرفته، ولعل السارد بفعلته تلك يؤكد استحالة جسر الهوَّة الثقافية بين مهاجر أو مهجَّر وأصيل. وعندما تدرك تامينا تعذر استعادة يومياتها، وينغلق المشهد السابق بعزوف هوغو المحبط عاطفياً عن الاضطلاع بأمر الرحلة إلى تشيكوسلوفاكيا، تنهار ويصبح ذهنها مضبباً، وتخبو حيويتها، وتغرق في لج عميق، وتغدو غير قادرة على الالتفات إلى زبائنها أو إعارتهم سمعها، وتعزف عن المشاركة في نقاشاتهم، وتأخذ في عزل نفسها عن حيوات أولئك المحيطين بها عبر صمتها. تختار تامينا طائعة ترحيل منفاها الخارجي إلى داخلها فينتج عن ذلك المنفى المزدوج وجود مختزل، يجعلها تقدم القهوة إلى زبائنها صامتة وبصورة ميكانيكية، ولا تعود تطلب ممن حولها شيئاً، ولا تسأل مجدداً أحداً أن يأتي لها باليوميات. إن الجزء الأول (الرابع في الرواية) الذي يعالج حكاية تامينا يخلص إلى نهاية سردية بسيطة تقول: "تابعت تامينا الخدمة في المقاهي ولم تتصل من ثمَّ أبداً ببراغ". إن وجود تامينا الحاضر واللاحق لهو وجود صامت، وينعكس ذلك على النسق البنائي للسرد، فحكايتها تُقاطَع بعد الاقتباس السابق، ويبدأ سارد كونديرا بالحديث عن حكاية حب لم تكتمل بين زوجة جزَّار تدعى كريستينا، وشاعر، مازال طالباً، يقضي إحدى أماسيه غارقاً في حوار متخيل مع جمع من الشعراء المشهورين، وهي حكاية تتضمن أيضاً نقاشاً حول الكلمة التشيكية Litost "ليتوست" التي تتعذر ترجمتها، وفق السارد، إلى أي لغة أخرى بدقة. ويأخذ السارد وقته في شرح الكلمة فيؤكد أنها كلمة مفتوحة الدلالات، ومركبة من أحاسيس كثيرة كالحزن والتعاطف والندم والتوق. ويبدو العجز عن ترجمة الكلمة خللاً ذا طبيعة إبستمولوجية، فليس ثمة ما يرتكن إليه عند ترجمتها، فالأصل التشيكي سيباغت دوماً بمعنى يفوق الـمُترجَم. لا يعود السارد إلى تامينا حتى الفصل السادس من الرواية، معززاً صمتها أو كأنه يحترم عزوفها عن الكلام. إن معالجة حكايتها في جزئين أو فصلين (الرابع والسادس) يمرئي المنفي المزدوج بنائياً، وتبدأ عودة السارد إلى حكاية تامينا بالإعلان أنها اختفت في أحد الأيام، ووضعت الشرطة المحلية اسمها في ملف المفقودين، ويعود السارد بعد ذلك ليخبرنا عن سبب اختفائها، ففي أحد الأيام يدخل شاب يرتدي الجينز إلى مكان عمل تامينا، ويجبرها على كسر صمتها، لأنها تدرك اختلافه عن الآخرين، فهو لا يتحدث عن نفسه، وإنما يوجه كلامه لها في جمل سريعة مشجعة، يقول لها :"انسي نسيانك" مبيناً أن ما تسميه تامينا تذكراً هو في الحقيقة شيء آخر، لأنها واقعة تحت تأثير قوة سحرية، لعل مردها ذلك التشابه اللغوي بين فعلي التذكر والنسيان بالتشيكية، فالتذكر يتحول إلى نسيان بتغيير بسيط في بادئة الفعل. يعرض الشاب على تامينا أن تخرج معه في إجازة، واصفاً الأشياء في المكان الذي سيأخذها إليه أنها بخفة النسيم، فتوافق وتركب معه سيارته الحمراء الرياضية. يختار كونديرا "رافائيل" اسماً لذلك الشاب، وليست تلك مصادفة، فالاسم يذكر بالملاك رفائيل في سفر "توبيت" Tobit من التوراة غير الرسمية (الأبوكريفا)، وهو ملاك لبـَّى للمرضى والمطرودين والمأسورين آمالهم في الحكاية التوراتية، منقذاً "توبيت" الورع "وسارة" الممسوسة بإعادة بصر الأول، وطرد الروح الشريرة من الثانية. إن رافائيل الملاك شفيع من الدرجة الأولى، وهو يلبي، بواسطة قدراته الاستثنائية، من يلتجئ إليه، ويحميه من الشيطان، أما رافائيل الرواية، وعلى الرغم من أنه يقوم بدور الدليل الذي يساعد تامينا على استعادة الماضي، فإنه يثبت، بصورة حاسمة، اختلافه عن الملاك التوراتي، فالطريقة التي يصوَّر بها الأول مفزعة، والانسياق وراءه يظهر كمجازفة تقود إلى الموت. تعي تامينا خطر ما يمثله رفائيل لكن بعد فوات الأوان حين تعجز عن الإفلات من ذلك الشرك المغوي للنسيان الذي يعرضه عليها. وعندما يوقف رافائيل السيارة، ويقفان أعلى المنحدر الطيني الشاطئي وبجانبهما بولدوزر مهجور، فإنها تستحضر مشهداً مماثلاً من الذاكرة، فالبقعة التي يقفان عليها تطل على منطقة كالتي كان زوج تامينا يعمل فيها حين كانا في تشيكوسلوفاكيا. لقد تذكرت –كذلك- حبها المبرح للتمشي أيام الأحد معه، في الزمن الغابر. وما جعل الأمر مؤثراً أكثر أن زوجها فُصل من وظيفته الأصلية وأصبح سائق بلدوزر، ولم يتسن لها رؤيته آنذاك إلا مرةً واحدة في الأسبوع. لقد غمرها إحساس الخيبة ذاته الذي أحسته هناك، وهي سعيدة الآن "لرجوع تلك الشذرة الضائعة من الماضي التي أعادها المشهد دون توقع". ولوهلة، امتزج العالمان مجازياً، وبنت جسراً من الخيال بين شاطئيهما، لكنها بدأت تشعر بالأسف على اتخاذها قرار مصاحبة رافائيل. لأنها اكتشفت ضرورة ذهابها إلى المكان حتى تستعيد ذاكرتها حوله، ويتوجب عليها السفر لتلم شعث الذاكرة وتخرجها من مخابئها. وعلى الرغم من اضطرام العواطف والأفكار داخل تامينا، فإنها أبقت على تصرفاتها السلبية، ولتؤكد سلبيتها التحقت بضحك رافائيل الـمُعدي؛ ذلك الضحك الذي يمحو المأساة ويومئ إلى النسيان، ويصبح رافائيل رسول النسيان الذي ينحدر بها إلى الشاطئ في رحلة اللاعودة، ويسلمها لصبي سيغدو دليلها الجديد. رحلتها تنحرف –إذاً- باتجاه بحر يشبه نهر النسيان Lethe في الأساطير اليونانية، أو يشبه نهر الجحيم Acheron الذي يفصل بين المطهر والجحيم عند دانتي، وتؤخذ إلى جزيرة مسكونة بأطفال شريرين، وهي جزيرة لا ماضي لها أو ذاكرة، فتعاقب عقاباً من جنس ما تاقت إليه، فلكي تنسى زوجها وتتخفف من ضغوط الحياة عليها ولا تشعر بالندم، يمارس عليها سكان الجزيرة ساديتهم، فيتحرشون بها جنسياً، ويهددونها جسدياً، وحين تقرر الرحيل سباحة نحو شاطئ النجاة تعلق في المنتصف بين بلدها الأم الذي تعبر عنه الجزيرة وبلد المنفى، وتموت في النهاية غرقاً.





























تعليقات