top of page
Seagulls Post Arabic

د. رشا الفوال: ماهية الأحلام وآليات التأويل

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 5 فبراير 2025
  • 6 دقيقة قراءة

رشا الفوال - مصر
د. رشا الفوال - مصر

 

د. رشا الفوال: ماهية الأحلام وآليات التأويل

تعددت النظريات والمناهج حول ظاهرة الأحلام بتعدد الاجتهادات التفسيرية لمحاولة فهم محتواها، وتعدد أدوارها الحضارية والثقافية والتاريخية في حياة الإنسان، هذا وقد اتفقت معظم اللغات على اعتبار الحلم نشاط ذهني لا واعي، اتفقت أيضًا في توصيف الكيفية التي يحدث بها هذا النشاط من خلال التركيز على مفردة: الرؤيا التي نصت عليها اللغة العربية باستخدام الفعل والمصدر Vision/ Seen وفي ذلك اتصال بين الرؤية بدلالتها الحسية والرؤيا بدلالتها الذهنية. وفي اللغة الإنجليزية سمي الحلم بالرؤيا اللاإرادية involuntary vision أو ما أطلقت عليه الفرنسية: الوعي الوهمي Conscience illusoire، وفي معظم اللغات تقريبًا يعتبرون الحلم ظاهرة تحدث والنائم مجرد متلق للحلم باستثناء اللغة الفرنسية التي تؤكد على فاعلية الحالم ودوره في تشكيل حلمه، هذا باعتبار الحلم إنتاج نفسي Production psychologique. فالحُلم ظاهرة عامة موحدة تحدث لدى جميع البشر، لكنها فردية تخص الحالم بوصفه منتجها.

ولأن الاعتقاد بظاهرة الأحلام وتفسيرها كان معروفًا منذ القدم؛ فالعراف أو الكاهن في القبيلة البدائية هو الذي لعب الدور الحاسم في تفسير الأحلام من خلال اعتماده على الحدس أو المصادفة التي يتفق لها أن تصدق حدسه ( كتاب المدخل إلى الرؤيا وتعبيرها).

  اهتمت الحضارات القديمة بظاهرة الأحلام ومحاولة تفسيرها ارتكازًا على قاعدة أساسية هى اعتبار أن الحُلم دليلًا على تدخل العالم الغيبي في العالم الواقعي؛ فقد كان البابليون يعتبرون الأحلام رسائل منبئة أو منذرة أو مبشرة، وقد عرض: "أوبنهايم "  مدونات حجرية عن الأحلام عند الآشوريين.

وفي الحضارة الفرعونية اعتبرت الأحلام حلقة وصل بين الإنسان والآلهة؛ فأقيمت معابد تسمى "سيرابيوم" نسبة إلى إله الأحلام "سيرابيس" يقيم فيها مفسروا الأحلام الذين أُطلق عليهم اسم: رجال المعرفة في مكتبة السحر، ويُذكر أن: "آلان جاردنر" قدم شرحًا لما جاء بكتاب الأحلام الفرعوني وهو عبارة عن ورقة من البردي يرجع إلى زمن الأسرة الثانية عشرة (كتاب الطب المصري القديم)، أما في الحضارة اليونانية فقد نُسبت الأحلام إلى الإله "زيوس".

 ويمكننا اعتبار تعبير الأحلام من العلوم رفيعة المقام، فقد ميز شيخ المفسرين الإمام محمد ابن سيرين وفق معايير وأسس خاصة ما أسماه الرؤيا الصادقة (التي عدها جزءً من ستة وأربعين جزءً من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيًا) من جهة وبين ما أسماه بالأحلام وأضغاث الأحلام من جهة أخرى، وقد اعتمد في تعبيره للرؤى على عدة مناهج هى:

أولًا: التأويل بالآيات القرآنية، مثال لذلك حُلم خليل الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل(عليهما السلام)، ورؤيا يوسف ابن يعقوب(عليهما السلام) والتي كانت متفرعة إلى رؤى النبوة ورؤى المؤامرة التي حُبكت ضده من إخوته ورؤى الفتيان في السجن ورؤيا الملك. من خلال ذلك يمكننا تناول الحُلم التنبؤي Predictive dream الذي تتطابق محتوياته مع الأحداث الواقعية التي تقع في حال اليقظة، وخير مثال لذلك إخبار نبي الله محمد(عليه الصلاة والسلام) عن فتح مكة، وذكر ذلك في القرآن الكريم بالآية 26 من سورة الفتح، وإخباره عن معركة بدر الكبرى وذكر ذلك في الآية 42 من سورة الأنفال.

من خلال ذلك نستشف أن التفسيرات الدينية للأحلام هى الأقدم والأكثر انتشارًا بين الناس؛ ربما لأن رؤيا خليل الله تزامنت مع حضارة بابل القديمة، ورؤيا فرعون مصر جاءت أيضًا في القرآن وفي التوراة_ الإصحاح الحادي والأربعين.

ثانيًا: التأويل بالضد وهو أن تُفسَّر الفكرة بضدها؛ هذه الضدية يسميها بعض البلاغيين الإستعارة التهكمية، مثال لها: تأويل البكاء في الحلم بالانفراج، وتأويل الأمن بالخوف.

ثالثًا: التأويل باللجوء إلى الأقوال الدارجة والتشبيهات اللفظية والأمثال الشائعة، مثال لذلك تأويل التراب في الحلم بالمال أو الناس مع ملاحظة أن تأويل الحلم في التراث الشعبي العربي يعتمد على الثقافة التي تتشكل وفقًا لمجموعة من التجارب الموروثة، إذ يرى الإنسان ما يهواه أو يتمثل له من يقظته، أو من أثر الطبائع والأمزجة على حد تعبير النابلسي، ويرى الإمام الغزالي أن الأضغاث هى الأحلام التي ترتد إلى قوة الخيال واضطرابه، يدفعنا ذلك إلى ذكر علاقة الأحلام بالخيال؛ فخزانة التخييل يجتمع فيها أحاسيس الحالم ومعارفه وتجاربه الحياتية ومنها تتشكل أحلامه.

هناك أيضًا علاقة بين الأحلام والتوقع؛ فالجاحظ يعلل ما يراه الحالم من حوادث ثم يشاهد تحققها بالفعل في حال اليقظة بأنه يندرج تحت ما يسمى التوقع، يتفق ذلك مع ما يراه ابن خلدون من أن النفس إذا خفتت عنها شواغل الحس وموانعه بالنوم، تتعرض إلى معرفة ما تتشوق إليه في عالم الحق، فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب، ويُقر بأن تعبير الرؤيا يتطلب أولًا: معرفة المناسبات بين الصور ومعانيها (فمن أجل هذا يختلف التأويل في الحادثة الواحدة بين رجلين وبين زمنين)، ويتطلب ثانيًا: معرفة مراتب النفوس ( ومن أجل هذا تختلف الأحلام ومعانيها من إنسان لآخر).


جذبت ظاهرة الأحلام انتباه الفلاسفة وعلماء النفس، وارتكزت دراساتهم لها على مادة الأحلام (الصورة) ووظيفتها النفسية؛ فقد بدأ سيجموند فرويد منذ عام 1895 بدراسة ظاهرة الأحلام، وأخذ يُحلل أحلامه وأحلام مرضاه ونشر ذلك في كتابه "تفسير الأحلام" عام ١٩٠٠.


سيغموند فرويد
سيغموند فرويد

ثم أصدر كتابه "الهذيان والأحلام في الفن" الذي يتحدث فيه عن تلك الأحلام التي يعزوها الروائيون إلى أبطالهم الخياليين عام 1907(الهذيان والأحلام في الفن) ويمكننا اعتبار قابلية الأحلام للتأويل هى الدافع الرئيسي لاستدعاء الافتراض القائل بأن الحُلم تحقيق لرغبة من رغبات الإنسان. معنى ذلك أن هناك وظائف للأحلام باعتبارها مفاتيح العمليات العقلية اللاشعورية، من هذه الوظائف:

 أولًا: الوظيفة التعويضية فالحلم قد يخفف من صعوبات الحياة اليومية، حتى الحلم المؤلم يُعتبر محاولة لتخفيف التوتر الناتج عن الرقابة، فالأنا الأعلى أو الضمير لا يرتاح إلا بالتألم.

ثانيًا: تحقيق الرغبة، وقد اختلفت آراء علماء النفس في هذه الوظيفة؛ لأن "فرويد" يرى أن الأحلام تدور في جانب كبير منها حول الرغبات الجنسية، و"آدلر" يرى أن تحقيق الرغبة في الحلم يرتبط بمشكلة الخضوع والاستعلاء؛ فقد يرمز الطيران في الحلم إلى الانتصار أو الخلاص، وترى "كارين هورني" أن الأحلام تنتج عن قوتين متصارعتين إحداهما تحاول تحقيق الرغبة والأخرى تتجه إلى قمع نفس الرغبة، ويرى: "هلدبرانت" أن تقلص الرقابة يُسهل تسرب الرغبات التي كُبتت أثناء اليقظة إلى عالم الحلم، وقد قام العالم الأنثروبولوجي "مالينوفيسكي" بتحليل الأحلام عند قبيلة التروبرياند، فوجد أن أحلام السكان المحليين شبيهة بأحلام الأطفال، تعبر عن رغبات بدائية بسيطة لا علاقة لها بالجنسية.(  روجيه باستيد، السوسيولوجيا والتحليل النفسي)

 ثالثًا: حل الصراع الذي لا يمكن حله في الحقيقة. وهو ما يُطلق عليه في العلوم الإنسانية: الحلم الإبداعيcreative dream .

 رابعًا: الهروب من الواقع المؤلم بشكل انفعالي مؤقت، في ذلك يرى "هوميروس " الشاعر اليوناني أن الآلهة تستخدم الأحلام كوسائل لإيصال التعليمات إلى الناس من أجل هدايتهم (نوري جعفر، طبيعة النوم والأحلام في ضوء علوم الدماغ). ويرى "هنري برجسون" أن عالم الحلم هو عالم اللااهتمام، ويرى "ليفي برول" أن للحلم وظيفة اجتماعية تقدم للحالم الإشارات والهداية والإرشاد والإلهامات.


هنري برجسون
هنري برجيسون

خامسًا: إعطاء صورة للحال النفسية للحالم.

 سادسًا: توجيه الرسائل إلى الذات.

هذا وتتعدد آليات عمل الحلم النفسية في النقاط التالية:

أولًا: التكثيف Condensation من خلال دمج الأفكار في فكرة واحدة؛ فمن طبيعة الحلم أن يصهر صورتين متنافرتين في قالب واحد، يسمى ذلك بالإثبات المقنَّع، وهى حيلة من أجل المراوغة.

ثانيًا: النقل أو الإزاحة displacement بمعنى أن العناصر الثانوية والتفاصيل الغائبة أثناء الحلم غالبًا ما تكون هى العناصر الأساسية التي يجب الإهتمام بها عند التأويل.

ثالثًا: الترميز Coding في ذلك شبه "فرويد" عمل الحلم بعمل الشاعر الذي يملأ قصائده بالتشابيه والاستعارات.

رابعًا: الإخراج البصري Visual Direction لمضمون الحلم من خلال جمع الصور المفككة وشذرات الأحاديث المجزأة.

خامسًا: الإخراج الدرامي Drama Directing من أجل ترتيب المحتوى الظاهر للحلم وجعله قابلًا للفهم والتفسير.

تتعدد أيضًا آليات تأويل الحلم؛ فلكل حلم تأويل، والتأويل يختلف باختلاف الأحوال، ولا يوجد خطاب تأويلي يصلح لكل الرؤى، فنحن مع المنهجية التي تتعاطى مع الأحلام من منظور خصوصية المقام والمخاطب، في ذلك تشابه كبير مع منهجية الأصول النظرية التي تعتمد عليها قواعد البلاغة_ التي تقتضي التفريق بين مستويات المخاطبين حال الخطاب_ معنى ذلك أن الأساليب البلاغية تتماهى مع تعبير الأحلام شكلًا ووظيفة؛ فتتجلى فنون الاستعاراة حين تنصرف وظيفة المفسر إلى البحث عن شبيه واقعي للصور المتخيلة في الحلم، مثال لذلك: رؤيا الملك في قصة نبي الله يوسف عليه السلام.

تكشف مناهج المفسرين كذلك عن تشابه بين صيغهم ومنهج البلاغيين في تحليل التعبيرات المجازية والكشف عن العلاقات الدلالية التي تربط المعاني الحقيقية للرؤيا بالمعاني المجازية، مثال لذلك تأويل العين في الحلم بالجاسوس، وتأويل الأذن بصاحب الأخبار، وأذن الملك: جاسوسة؛ لأنه يحصل على الأخبار عن طريقها.

وكذلك: المجاورة بمعنى تفسير الرمز الحلمي بما هو مجاورًا له مكانيًا في عالم الواقع، مثال لذلك تأويل لبس الخوذة على ملبوسها وهو الرأس فهى دالة على الأمن من انشغال الذهن.

ومن فنون البديع نجد أن: الجناس له حضور ملفت في تأويلات الأحلام مثال لذلك: تأويل حلم الذهب بمعنى الفعل ذهبَ، وتأويل رؤيا كف اليد بالكف عن المعاصي، وتأويل رؤيا الغمامة بالغم، والتورية من خلال اطلاق لفظ له معنيان في الحلم، معنى قريب وآخر بعيد، يراد به البعيد منهما، مثال لذلك: تأويل رؤيا القط في الحلم بالكتاب؛ فالمعنى القريب هو الحيوان، والمعنى البعيد من قوله تعالى في الآية 16 من سورة: ص" وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ "؛ فالقط هنا صحيفة الأعمال.

 مع ملاحظة أن الأحلام تتصل أولًا: بالمصادفة coincidence التي تساوي أضغاث الأحلام.

وتتصل ثانيًا: بالحتمية Inevitability التي تمكن الحالم من التنبوء بالنتائج المستقبلية وفقًا للظروف الاجتماعية المحيطة، وثالثًا: بالقدرية Fatalism التي يتمكن الحالم من خلالها بالتنبوء بالأحداث استنادًا إلى القوانين التي تحدد العلل والمعلولات كالعوامل الوراثية والدوافع والانفعالات.

 

 

تعليقات


bottom of page