top of page
Seagulls Post Arabic

الشاعر السوري مردوك الشامي: أن تكون شاعراً يعني أن تكذب باحتراف - حاورته حنان فرفور

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 3 فبراير 2025
  • 9 دقيقة قراءة

الشاعر السوري مردوك الشامي
مردوك الشامي

حوار

 

مردوك الشامي: أن تكون شاعراً يعني أن تكذب باحتراف

 

·  الشعراء المعلمون قلة ونادرون على امتداد التاريخ العربي

· أنا مثل كثيرين ضعفت أمام الحاجة لكنني لم أنكسر ولم أتحوّل لبوقٍ أو ماسح جوخ

· مأساتي الكبرى أنني لم أمتلك موهبة تسويق نفسي.. دائما كنت اسوّق الآخرين

· قدر الشاعر أو المثقف في العالم العربي أن يحمل صليبه لحظة يقرر حمل قلمه

· بيروت اليوم بكل نقائضها وانكساراتها..  لا تزال تكتب وتقرأ .. وستكون قادرة على كسر الأقفاص

· ما كانت الشهرة غايتي منذ بدأت مسيرتي.. كان المهم لدي أن تصل قصيدتي.. أن يقرأها الناس

· وسائل التواصل أتاحت للجميع الحصول على الفرصة للانتشار واختلط حابل التلفيق بنابل النهيق

الشاعرة اللبنانية حنان فرفور
حنان فرفور - لبنان

بنتاجات كثيرة في الشعر والمسرح والصحافة، وبخبرة كبيرة في العمل الثقافي، يواجه مردوك الشامي الحياة فيذبح لأجلها قرابين دمه ووجدانه وينزف طواعية  كي تنتصر.

بتناقضاته التي لا تحصى، وبأناه المعجونة بالأمومة، وبنزقه الطفولي وشغفه الذي لا ينتهي بالقصيدة، التقيناه، لنسأله عن علامات الاستفهام التي تثيرها شخصيته الإشكالية، وحضوره المشاكس، وعن أربعين عامًا صال وجال فيها فوق الورق ، تحت النار، داخل المحبرة وخارج الأطر.

 



الشاعر السوري مردوك الشامي: أن تكون شاعراً يعني أن تكذب باحتراف - حاورته حنان فرفور - لبنان

· في غير قصيدة لك، وفي غير مقابلة، تقول إنك منحت الشعر كلّ شيء، فما الذي يمنحه الشعر للشاعر؟

ـ كلّنا ندّعي أننا نمنحُ الشعرَ كلّ شيء، وكلنا نبالغ في الحديث عن العلاقة التي تجمع القصيدة بالشاعر، فأن تكون شاعراً يعني أن تكذب باحترافٍ ويصدقك الجميع، ولو أنني أقارب الصدقَ سأقول إنّ الشعر حرمني من كل شيء، حرمني من العيش كبقية البشر يكذبون وينافقون ويعيشون حياة مريحة وعبثية، سأقولُ إنه حرمني حريّتي ، وطني، بيتي الأول، وأقول إنه منحني المنافي على تنوعها، الغربةَ بكل ما فيها من وجعٍ وخيباتٍ، منحني السلطةَ على اللغة وحين حاولت أن أمارس سلطتي بجرأة العاشق، قصّوا لساني لمراتٍ ومرات.

وأقول أنه منحني الشغف بالحبّ ، وحين أوقعني فيه لمراتٍ بلا حصرٍ كنتُ دريئة لخيباتٍ بلا عدد وانكسرتُ في فضاءاتِ العناق المستحيل لأبقى الباحث الأبدي عن امرأة القصيدة التي لن تكون أبداً من لحم ودم وملامح.

الشاعر يكتبُ قلبه وروحه وجراحاتهِ على الورق، وقلة يقرأون، قلة يمسكون بياقة قميص المحبرة من قُبُلٍ.. زليخة تتكرر في كلّ العصور، ويوسف الحالم لا يزال هناك في قاع البئر البعيد.

 

· تنتمي إلى جيل الكبار، عاصرتهم وحاورتهم بوصفك رئيس تحرير لكثير من المجلات الرائجة آنذاك، ما الذي يجعل التجربة عظيمة؟ ويمنح صاحبها الحق في البقاء والخلود؟ وهل ترى الزمن منصفًا حقًّا؟

ـ ربما أكون في التصنيف المعتمد من شعراء الثمانينات، لكنني عايشت شعراء الستينيات والسبعينيات، عايشت محمود درويش وعبد الوهاب البياتي، وأنسي الحاج والماغوط ونزار قباني وسعيد عقل، وسعدي يوسف، ومظفر النواب، ومحمد علي شمس الدين، وأدونيس، البعض عرفتهم من خلال عملي الإعلامي ومن خلال مقابلات معهم كانت دسمة وكبيرة، والبعض صادقتهم وتشاركت معهم أمسيات ومهرجانات.

وأن تقترب من شاعر وتلامس حياته وسلوكه المعيشي ، الأمر يختلف عن مجرد أنك قارىء لشعره ومتابع لأقواله الصحفية هنا وهناك..

ولا تكون التجربة الشعرية عظيمة إن لم تكن مؤثرة في عصرها وما يليه من عصور، لا تكون عظيمةً إن كان الشاعر مجرد باحث عن المجد الشخصي والشهرة والانتشار..

الشاعر الكبير هو الشاعر المعلم الذي تنجب تجربته الشعرية والحياتية طلبةً ومريدين، هو الذي يمدّ يديه للآخرين يعطي عصارة خبرته لأجيال تأتي من بعده.. لكن الشعراء المعلمين قلة وندرة على امتداد التاريخ العربي..

من طبيعة الشاعر أن يحتفي بالأنا، أن يكون نرسيس مراياه وحبره، لهذا الخالدون المتواضعون المعطاؤون المعلمون قلة على اتساع عوالم الفناء والاندثار.

 


مردوك الشامي

· يعيش الشاعر انفصاله واغترابه الدائمين، نتيجة لاصطدام وعيه المغاير وطموحاته الفكرية والروحية عن محيطه الضيق والواسع أحيانًا، هل كان اغترابك النفسي عميقًا لدرجة اختيارك لقب مردوك/مردوخ لكبير آلهة اسمًا عُرفت به فالتصق بك؟

ـ لا نختار أسماءنا وملامحنا وأوطاننا وأهلينا، نرث كل ذلك مرغمين، وقد نتقبل الأمر، أو نتصالح معه بكل أخطائه وخطاياه..

ليس على العصفور الذي يلد في القفص الامتثال طوال حياته للسيد السّجان..

ليس عليه أن يتحول لبوقٍ وهو في الأصل يمتلك فضيلة التغريد وموهبة الطيران..

ولدت في مدينة أسميتها ذات لقاء صحفي من سنواتٍ بعيدة  " أرملة المدن" ، ولدت ونشأتُ في بيت طيني فقير،لوالدين قنوعين أبٍ موظّف بسيطٍ وأم قدّيسة حاولت طوال حياتها أن تقلم أظافرنا كلما نمَتْ، خوفًا على حياتنا من غواية الخربشات..

 كانَ على صوتي أن يرتفع، على قصيدتي أن تصلَ للآخرين، جربت بداية أن أفعل ذلك غير آبهٍ بالمتاريس، فتعرضت للاعتقال مراتٍ، ووُجهتِ بالملاحقة والمنع، وما كانت القصيدة تعرف الصمت، لهذا كان مردوك الشامي الاسم البديل، ربما القناع الأول الذي أخفيت به وجهي كي أصرخ دون أن يكممني أحد.

واستمر الاسم معي، حملته مجموعاتي الشعرية، وكل ما كتبت وفعلت خلال أربعين عاماً، لم يكن يناديني أحد باسمي الحقيقي سوى أمي، ومخافر الحدود والمطارات،  وما عدت أتقبله من سواها.. وغيبها الرحيل قبل سنواتٍ ، فما عاد يهمّ مطلقا أن أتذكر الاسم.

· تغترب وتتنقل في المكان طوال حياتك، ولعلك سكنت بيروت وسكنتك، أكثر مما سكنت القامشلي، التي تحنّ إليها دوما.. ما مفهوم الوطن بالنسبة لشاعر بعثرته الجغرافيا؟

عشت ثلثي حياتي في بيروت، وصلت بيروت قبل 37 عاما، كانت لا تزال تحتفظ ببقايا جناحين ، قبل ذلك كانت بجناحين يمتدان بلا حدود، عصيين على المقصات، أقول لك : بيروت بما كانت عليه لم تعجب محيطها القريب والبعيد ، كانت الحرية ، يوم كانت العواصم سجونا لمبدعيها، كانت الاتساع والمدى، يوم كان كل العالم العربي مغلقاً بالصدأ والأقفال ، كانت المنبر والصوت والصدى، يوم كانت الحناجر في كل ما حولها تُجزُّ بالسكاكين...

لم تعجبهم بيروت، فنقلوا لها أمراضهم، وأوبئتهم، وفسادهم، اعتلّ الهواء ، لكنها لم تزل تحتفظ بنقاء الرئتين، توجّعَ القلب، لكم نبضها لا يزال يجيء على إيقاع النسمة ورفرفة الفراشات..

عشت بيروت الثمانينات والتسعينيات بكل ما فيهما من زخم وضوء، وأقولُ صادقا : بيروت اليوم بكل نقائضها وانكساراتها، لا تزال تكتب، وتقرأ ، وستكون قادرة على كسر الأقفاص.

القامشلي مسقط الرأس والجرح معاً، تعيش فقط في قصيدتي، في خزانة الذكريات البعيدة، تبدّل فيها كلُّ شيء، الناس والهوية والشذى، كانت مدينة للقمح والنفط والمحبة، باتت اليوم مختلفة الوجهِ والوجهة، كثيرة البؤس واليباس.

لم تعد وطني الحقيقي، لم تعد بيتي، حين يرحل عن المكان أصحابه يحملون معهم روح المكان، يصبح غريباً ومنفىً.

القامشلي ليس لي فيها اليوم سوى بضع قبور لا أقدر على زيارتها، وبضع أشقاء لم أرهم منذ سنين.

وطن الشاعر  هو المحبرة.. وكم أشعر أنّ الشاعر من سلالة السلحفاة، ليس في قياس السرعة، بل في حملها الوطن على ظهرها أينما تكون.

 

· بين الشعر والمسرح الشعري، وأنت الذي كتبت الجنسين بغزارة وعرضت المسرحيات التي ألفتها على أهم المسارح العربية، فهل يقتات المسرح على الشعر أم أن الشعر يتوسل الخشبة ليطفو ويُسمَع؟

ـ بين الشعر والمسرح كنتُ أنا، ودائما أقول من يمتلك اللغة يمتلك العالم، وأقول أكثر الشاعر الشاعر قادر على الكتابة في كل الفنون.

كتبت خمسة أعمال للمسرح الشعري، لم تتضمن إطلاقا عبارة نثرية، وهذا يعني أنني لم أغادر الشعر، ولم أغدر به، بل حملته إلى تجليات اكثر شمولية، حمّلته أفكاراً أكبر وقضايا أكثر غنى وتنوعاً.

والشعر الذي في الكتاب هو ذاته الشعر الذي يكون على الخشبة، يختلف الأمر فقط في المؤدي.. على منبر الشعر أكون المغني، وعلى منصة العمل المسرحي يقول الآخرون ما اردتُ قوله ضمن عناصر جديدة من موسيقى وحركة ومشهديات.

الشعر يبقى ساطعًا في المسرح والأغنية والورق، شرط أن يكون شعراً لا مجرد هراء .

 

· تهتم بالعمل الثقافي أنى ترحّلت، ويبدو كأن الأمر لصيق برؤية تطمح إليها.. وبعيدا من المثاليات، ثمة من يقول بأن الشعر مثل الفلسفة، لا يجديان في عالم مادي يحركه الرأسمال ويتحكم به، علام يراهن المشتغلون اليوم في الحقل الثقافي عمومَا؟

ـ في كل الأزمنة ينتصر الظالم، وتطفو الهشاشة، ويعلو أهل القيعان، وطوال كل مراحل التاريخ كانت الانتصارات للسكين على حساب العنق، وللطلقة على حساب الجرح المفتوح.. وهذا كله لم يوقف الساعين إلى النور، الطامحين إلى التغيير..

أحيانا وردة واحدة في حقل من الشوك تعطي عطرها المدى،تكون قادرة على شدّ أسراب الفراشات نحوها، واحة ضئيلة في صحراء واسعة، تصير ملجأ لكل الهاربين من الظمأ.

قدر الشاعر أو المثقف في العالم العربي أن يحمل صليبه لحظة يقرر حمل قلمه..

وأن يدير ظهره للطعنات وهو مدرك تماماً أنه منذور لها، وأن عليه أن يكمل الدرب ويأبى السقوط.

ربما شغفي بالشعر، بالجمال، بالحقيقة، بالحرية ، دفعني لأن أعطي كلّ ما لدي من حبر وصبر وعشق للآخرين إيماناً مني بأن من ينثر القمح سواء سقط في تربة صالحة أو على الاسفلت سيكون له جدوى، فإمّا تنبت السنابل أو تلتقطه الطير.

وأثق دائماً أنه كلما نشر كتابٌ جيدٌ يساهم في محو أمية كثيرين، وأنه كلما نشأ في المكان منبر شعري صالح ونزيه، كلما كسبنا إلى جانب الضوء قناديل أكثر.

نظام التفاهة يحكم منذ أول الطين، لكن دائما في المواجهة نظام الصلاح والبياض، وشمعة ضيئلة تغلب عتمةً بلا حدود.

 


مردوك الشامي مع الفنان نور الشريف
برفقة الفنان المصري الراحل نور الشريف

· الإنفصال النفسي الذي تحدثنا عنه، يقابله ربما انفصام آخر أو انفصامات مرهقة، تزداد بازدياد تعدد الذوات والشخصيات التي تحرك المبدعين في شتى المجالات، إلى أي حد يعيش مردوك الشامي انفصاماته، ولأي مدى يعلق عليها انتكاساته وأخطاءه، أو يبرر بها نزواته الفردية وتداعياته الإبداعية ؟

ـ نحتاج في مجتمعنا المعاصر إلى أطباء نفسيين بعدد السكان، أي لكل مواطن طبيب نفسي.. لكننا سنقع في أزمة من سيعالج المعالجين..

هناك انفصام بلا حدود ، زيفٌ يمتد على كامل صفحات الحياة، ولو حصرتُ الكلام في الواقع الثقافي المعاصر سأقولُ بكل صدق وبلا مواربة نحن اليوم في مجتمعات الأقنعة.. والتلفيق والاتكاء على الوهم..

ثمة الآلاف من نساء ورجال يجلسون تحت تسمية شاعر، لو غربل الجميع نقد حكيم وجريء، لسقط الكثيرون مع الزؤان..والمسألة لاتقف عند الشعر، هي تتعداها لكل تخصصات المجتمع، ادبية وغير أدبية.. وفي الأزمنة التي يغلب على ملامحها قلة الأدب، يكون الناتج الأدبي الحقيقي قليلاً لدرجة الاختفاء.

أما عن انفصامات مردوك وأنا أعيها تماماً، فأنا في النتيجة ابن لهذا المجتمع، أعيش أمراضه الكثيرة.

الشعر معادل للحرية ، لايكون من دونها، لكننا نعاني من أن الحرية على كافة الأصعدة في غيبوبة ، وانا لست مع أن هناك شعر متنوع للقضايا الإنسانية، وآخر للوجدانيات، اوالعواطف، للثورة والزعيم، أنا أقول هناك شعر أو لا شعر، وهناك شاعر، والشاعر الحق يكون الفارس والقائد ولا يخشى أن يكون المصلوب.

من أجل أن أعيش عملت في الصحافة بكل أنواعها مكتوبة مرئية ومسموعة .لكن ولأكثر من 40 سنة الشاعر في أعماقي سبق الصحفي ، هو الذي كان وما زال يقود خيول الروح وأسراب حمائم الوجدان ، هو الذي يحصّن ما تبقى في داخلي من رغبة في التمرد على آخر السقوط في فخ الحياة الضامرة حتى التلاشي ، وهو ما يبقيني أصحو كلما شعرت أنني على الحافة أقف أمامي المنزلق وخلفي القيعان .

الشاعر مرآة طفولتي الصافية ، في فمه لايزال طعم حليب أمي ، في أذنيه غناؤها الخجول يهدهده لكي ينام .

الصحفي ، في بداياته كان كما الشاعر ، كان هو ذاته ، شعرنت اللغة الصحفية وأدبتها ،ولم أصحفن القصيدة ، لكن في مراحل كثيرة تحول الصحفي الى مرتزق ، يكتب ما لا يقنعه ، ويمارس كما معظم صحافتنا الراهنة دعارة الفكر ويكذب على البياض . كان هناك صراع شديد بين الشاعر والصحفي ، اذا انتصر الشاعر أموت من الجوع ، واذا انتصر الصحفي أتخم باللقمة الحرام ! كلّ ما حاربت من أجله كان لانقاذ الشاعر، اقتلاعه من مستنقع التلفيق والتدجيل الصحفي المعاصر ، لكي أقف أمام مراياي باحترام !

بإمكان الشعراء أن يتحولوا لقوة كبيرة تقوم بالتغيير وبناء الحياة والثورة على الظلم ، هل سيفعلون، حين يخرجون من أناهم المرضية ، حين يدركون حجم المسؤولية ، وأنهم في نظر كثيرين فرسان خلاص ، حين ينتصرون للشعر، سينتصر الشعر للحياة، كل الحياة.ورغم ذلك لم أنجُ من السقوط.. الشاعر والصحفي سقطا معاً في مستنقع الرغيف.


الشاعر مردوك الشامي مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي
مردوك الشامي مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي

· غنى لك الكثير من المطربين، ومثلت لك الفرق وتحت يديك وإدارتك أبصرت النور برامج تلفزيونية، ومجلات ثقافية على مدى ثلاثين عامًا وفي جعبتك كتب كثيرة  في الشعر والنقد  ولك ما لك من أصالة الموهبة والحرف .. لكن ثمة قطبة ما، لم تسمح بتكريسك شخصية شهيرة يشار لها مع الأعلام..أين قصّر مردوك الشامي مع نفسه؟

ـ مأساتي الكبرى أنني لم أمتلك موهبة التسويق لنفسي، دائما كنت اسوّق الآخرين، أشعر بالفرح حين أضع أحدهم على أول الطريق، حين أحمل أحدهم على بساط الشهرة وأدري أنه حين يرتفع لن يتأمل بقائي في الحضيض..

ما كانت الشهرة غايتي منذ بدأت مسيرتي.. كان المهم لدي أن تصل قصيدتي، ان يقرأها الناس، حتى ولو وصلت بتوقيعِ شاعر مدعٍ أو شاعرة متصابية..

كانت قمة السعادة لدي أن أترك خلفي في أي مكان أعمل فيه تلامذة سيتغلبون على استاذهم لأنه أراد لهم الفوز..

أسست برامج تلفزيونية عديدة لايزال بعضها لغاية اليوم على أثير التلفزيون  السعودي ومحطات عربية كبرى..وتركت بعد رحيلي مذيعات ومذيعين ومعدين علمتهم كيف يكونون أفضل وكيف يصبحون محترفين.

لم يكن سطوع اسمي في أولوياتي، لهذا بقيتُ بعيداً عن مهرجانات العرب الكبرى التي تقودها المصالح والمحسوبيات، وعن المسابقات والجوائز، لأنني لم أعتبر مرة أن الشعر حصان سباق، وأن الشاعر مقامرٌ في صالات التلميع غير المجاني.

· كيف تغذي طفل الشعر وسط كل هذه المآسي التي نحياها؟ وما سر نهوض الشاعر المستمر من بين ركام الإنسان وخراب البلاد؟ 

ـ في الأساس لايكون الانسان شاعراً إلا إذا استطاع أن ينقذ طفولته ويبقيها فيه، تقوده وتحرّضه وتجعله يرى العالم حديقة، واللغة لعبةً جميلة وكلّ هذا الخراب مجرد كابوس طارىء سينتهي.

والطفولة ليست اللهو، ولا البراءة وحسب، هي المقدرة على المحو، المرآةُ التي لاتقبل على صفحتها الناصعة وجهاً مقنّعاً ولا ملامحَ يغطيها مكياجُ الادّعاء.

ما يجعلني أحتمل هذا العالم بكل ما فيه من موت ويأس وخراب ذاك الطفل الذي لايزال يعيش داخلي، كلما شعرت بمرارة العيش أستدعيه ليقدم لي طيارة ورق، أو يتمثل ولو وهماً كتف أمي تسند خيباتي الكثيرات.

· بعد كل هذه التجربة الممتدة، علام تندم؟ وإلام تطمع وتطمح؟

ـ بكل صراحة رغم أنني عشت الكثير من الأخطاء والعثرات لا أندم على شيء، كل تلك الانكسارات جعلتني أكثر صلابة، ومقدرة على الاستمرار غير آبهٍ بهذا السيل الذي يجرف في طريقه كلّ شيء.

نحن في عصر انحطاط الانحطاط ، ولا أظننا خرجنا من هذا المستنقع في كل تاريخنا إلا للحظات ، سُمح لنا خلالها بالتنفس ثم أعادونا الى الهاوية !

المطلوب من الكتابة اليوم إعلان الحقيقة ، المطلوب منها ممارسة الصراخ ولو كان "لا حياة لمن تنادي" .

من خلال هذه الرؤية أتعامل مع رسولية الشعر، لا أدعي أنني ثائر، ولا مقاتل، أنا مثل كثيرين خنت كثيرا مبادئي، وضعفت أمام الحاجة، وانحنيت وفررت أمام جبروت الأنظمة، لكنني لم أنكسر، ولم أتحوّل لبوقٍ أو ماسح جوخ، أعيش اليوم حضيض كل شيء، في رزقي، ولقمتي، وحريتي، لكن رأس قصيدتي سيبقى عاليا عالياً وعصيا على الإنكسار.

 

 

تعليقات


bottom of page