top of page
Seagulls Post Arabic

أ.د. محروس بريك، شاعر يؤمن بجدوى الإبداع، وناقد دخل عالم النقد بروح الشاعر

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 3 فبراير 2025
  • 14 دقيقة قراءة

محروس بريك
أ. د. محروس بريك

أ.د. محروس بريك، شاعر   يؤمن بجدوى الإبداع، وناقد دخل عالم النقد بروح الشاعر، فهو أستاذ في النحو والصرف وموسيقا الشعر، كوّن يقينه الشعري وغذّاه بالعلم والسعي والاجتهاد، ولم يقف عند انطباعات أو أحكام مسبقة في مسيرته، بل بحث وناقش وألّف الكتب وأثرى المكتبة العربية بمؤلفات من صلب اختصاصه، كان آخرها بعنوان (في اللسانيات وبلاغة النص: رؤى نظرية وآفاق تطبيقية) وبهذه المناسبة أحبت أسرة مجلة Seagulls Post Arabicأن تجري معه الحوار التالي حول كتابه الجديد ومجمل مسيرته الإبداعية:

 


إباء الخطيب - سوريا
إباء الخطيب

إباء الخطيب - سوريا

أ.د. محروس بريك، شاعر يؤمن بجدوى الإبداع، وناقد دخل عالم النقد بروح الشاعر

- من النحو إلى الموسيقا الشعرية جسر على المبدع أن يسيره بحرص حتى ينجو بالقصيدة، كيف توضح

لنا العلاقة بين هذين العاملين في النص الشعري؟

الإيقاع والنحو كلاهما يتحكم في رصف الكلمات في النص الشعري وَفقًا للمعنى، والعلاقة بين الإيقاع والكلمات في غاية التشابك والتعقيد والخفاء، فالإيقاع يملي على الشاعر أحيانًا كلمات أكثر شاعرية وأوفَق ملاءمة للحالة الشعورية، وفي النحو العربي مرونة تسمح للشاعر بالتقديم والتأخير والحذف، والذكر والإطلاق والتقييد.. إلخ، كل أولئك كي يستقيم المعنى ويطّرد الإيقاع، ولا أعني بالإيقاع هنا الإيقاع العروضي والقافوي فحسب، بل الإيقاع الشعوري أيضًا الذي يتسرب خلف الكلمات في القصيدة، فنشعر معه بالشجى والشَّجْو والألم في قصيدة، والاغتباط والبهجة والطرب في قصيدة أخرى على الرغم من كون القصيدتين على إيقاع بحر شعري واحد، فليست القافية وحدها إذن هي التي تفكر مع الشاعر فتملي عليه بعض الكلمات دون بعض، بل الإيقاع العروضي أيضًا، والوَقْع الشعوري الخفيّ كذلك،  وقد كان الشاعر العربي القديم ينتصر للإيقاع على حساب النحو، وعندما حاول المعياريون من النحاة في مرحلة مبكرة جدًّا الانتصار للقاعدة النحوية على حساب الإيقاع كان المبدع على وعي تام بأن الإيقاع مقدم على سلامة النحو، فقد كان عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي يُخطّئ الفرزدق ويكثر الردّ والاعتراض عليه، على ما هو مشهور في كتب الأدب، فلما ضاق ذرعًا بقول الحضرمي: (علام رفعت كذا؟ وعلام نصبت كذا؟) قال له مقولته المشهورة: (على ما يَسُوؤُكَ ويَنُوؤُك ! علينا أن نقول وعليكم أن تتأوَّلوا)، وهذه المقولة التي ينتصر فيها المبدع لفنه تضع أمام أعيننا مبدأً مهمًّا يتمثل في أنه إذا تعاند النص والقاعدة فالغَلَبة للنص، ولا يقف الأمر هنا عند النص الشعري، بل النص القرآني كذلك؛ ففي القرآن يُحذف حرف العلة من آخر الفعل دون جازم وفاءً لاضطراد إيقاع الفواصل نحو (والليلِ إذا يَسْرِ) بدلًا من (يَسْرِي) لتتوافق مع (والفجرِ، وليالٍ عشرِ، والشفعِ والوترِ)، وتلحق ألف الإطلاق الاسم المعرف بأل كما في سورة الأحزاب: (وتظنون بالله الظنونا) و(فأضلونا السبيلا) و(يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا)، ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم.

ولا يعني ذلك أن يرتكب الشاعر ما يشاء من خرق للقاعدة ادعاءً منه بأن ذلك من ضرورات الشعر، فالنحو والإيقاع جديلتان تعملان معًا، والاضطرار إلى خرق القاعدة النحوية من أجل سلامة الإيقاع إنما يجوز للشاعر المقتدر الذي يأتي بالضرورة الشعرية عن قدرة لا عن ضعف، فهي تجوز إذن للشاعر الذي يستطيع أن يعيد إنشاء البيت الشعري إنشاءً جديدًا لا اضطرار فيه، لكنه أبقى عليه في صورته تلك، لأن للشعر لغته الخاصة التي تفارق لغة النثر، والتي يجوز فيها ما لا يجوز في النثر. إن اطّراد القوافي في الشعر الموزون المقفّى أحد متطلبات الفن، يسعى الشاعر لتحقيق هذا الاطراد، ويرتكب من أجله ضرائر الشعر، لكن مع ميلاد حركة شعر التفعيلة غَدَا صدع ذلك النظام من ضرورات الفن اختيارًا لا اضطرارًا، وغدا مبدع شعر التفعيلة على وعي بذلك، يقول محمود درويش: (كَسْر الإيقاع، بين حينٍ وآخر، هو ضرورة إيقاعية). وهو ضرورة دلالية كذلك، ما دامت عملية كسر الإيقاع أو صدع النظام تتم عن وعيٍ تام من المبدع نفسه.


محروس بريك

 ٢- عُرفت ناقدًا وباحثا أكاديميًّا تغوص في تفاصيل النص الأدبي وشاعرًا مبدعًا تحلق في آفاقه، إلى أيّ منهما تنحاز؟ ومن يتفوق على الآخر من وجهة نظرك؟

لا ينمو العلم ولا يتجدد إلا بالجمع بين التفكير العلمي والفكر الإبداعي، والإبداع قرين الاكتشافات الكبرى؛ نيوتن مثلا لم يكتشف الجاذبية إلا لأنه نظر إلى التفاحة وهي تسقط نظرةَ الإنسان الأول الذي لم يُفسِد عليه التعوّدُ دهشةَ رؤية الأشياء والأحداث لأول مرة، لقد نظر إليها نظرة المبدع أو نظرة الطفل الذي يراها تسقط وكأنه لم يرها تسقط من قبل قطّ، وهكذا بقية العلوم ومنها النقد؛ فالناقد الآن لم يعد ذلك الناقد الوصيّ على الشاعر، لم يعد ذلك الذي يضع له المعايير والجسور والحدود، ويصوب له الأخطاء، بل أصبح النقد ضربًا من الإبداع، أو هو كما يقال (إبداع موازٍ)، والناقد الحقيقي هو الذي يدلف إلى النص الشعري بعقل العالم وقلب المبدع، وإذا كان الناقد شاعرًا كان أقدر الناس على التصدي لتأويل النص والكشف عن أسراره وخباياه، وهذا المعنى هو ما عبّر عنه المتنبي في رده المشهور على سيف الدولة في اعتراضه على قول المتنبي:

وقفتَ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ      ووجهُكَ وَضّـــــــــَاحٌ وثغرُكَ باسمُتمـــــــــرُّ بك الأبطــــــــــــالُ كَلْمَى هَزيمةً      كأنّك في جَفْن الرَّدَى وهو نائمُ

يقول المتنبي: "إن الثوب لا يعرفه البـَــزّاز معرفة الحائك؛ لأن البزّاز يعرف جملتَه، والحائك يعرف جملته وتفصيله؛ لأنه أخرجه من الغَزْليّة إلى الثَّوْبِيّة".

إن الناقد الذي يمتلك حسًّا إبداعيًّا مثله مثل الحائك الذي ينسج الثوب ويخرجه من كونه مجرد غَزْل إلى ثوب له هيئة خاصة، أما الناقد الذي يدخل إلى النص الشعري بعقلية الناقد دون أن يكون له من شاعرية النفس والفؤاد نصيب- فهو كالبزّاز الذي يبيع الثياب فحسب دون أن يمتلك القدرة على إخراجها من طور الغَزْلية إلى الثوبية.

لا أقصد من هذا كله أن أمدح نفسي بالطبع، بل أقصد أن أؤكد حكمًا يعرفه من عانى الإبداع والنقد معًا؛ لذا فأنا أجد نفسي في النقد كما أجدها في الشعر، فقد دخلت إلى عالم النقد بروح الشاعر، ولم أدخل إلى الشعر بعقلية الناقد، فالشاعرية عندي أسبق من الانشغال باللسانيات والنقد.

 

 - من خلال تخصّصكَ في علم النحو وارتباطه الشديد بالدلالات والمعاني هل يمكن القول إن هذا العلم هو أساس إيصال المعنى للقارئ؟

لا يعرف أكثر الناس من النحو إلا القواعد الصمّاء الجافة التي درسوها في مدارسنا وجامعاتنا، فانصرفوا عن النحو واتهموه بالصعوبة، واتهموا النحاة بالجمود، ولم يعرفوا أن للنحو وجهًا آخر أكثر إشراقًا وجمالًا يمكن أن نطلق عليه (النحو التفسيري) الذي يوقفنا على إمكانات النحو في تأويل النص، وهو ذلك النحو المبثوث في كتب التفسير، والموجود في كتب النحاة الأوائل الذين انشغلوا بالنص، والذي تجلّى في أبهى صورة في (نظرية النظم) عند عبد القاهر الجرجاني، والنحو بإمكاناته تلك هو عصب علم المعاني، ولا شك أن النحو هو أحد وَجهي العُملة، ووجهها الآخر هو الدلالة، وقد انشغلتُ في كل ما ألفّتُ من بحوث وكتب بتلك الثنائية (النحو والدلالة) سيرًا على الدرب الذي ارتضاه من قبل الدكتور محمد حماسة والدكتور تمام حسان والدكتور سعد مصلوح وغيرهم، وأنا أُومِنُ -كما يؤمن غيري- بمقولة مصطفى ناصف:"النحو مشغلة الفنانين والشعراء، والشعراء أو الفنانون هم الذين يفهمون النحو، أو هم الذين يبدعون النحو؛ فالنحو إبداع".

إن النحو هو أحد الركائز المهمة لإنتاج الدلالة، لكنه ليس الركيزة الوحيدة بالطبع، صحيح أن النقد البنيوي قد منح الأبنية النحوية والصرفية والمعجمية أهمية كبرى في إنتاج دلالة النص، لكن هذا كله لا يحيط بالمعنى؛ إذ المعنى في النص الشعري يتسم بالمراوغة، وللمعنى وجوه لا يحيط بها الجانب البنيوي فحسب، بل لابد- لكي نحيط بأكبر قدر من وجوه المعنى- من فهم المعاني السياقية، والأبعاد التداولية، ودلالات الإيقاع، والحمولات الثقافية والحضارية، وحضور النصوص في نصوص أخرى...إلى غير ذلك من جوانب.


في اللسانيات وبلاغة النص: رؤى نظرية وآفاق 
 - تطبيقية - محروس بريك

- نبارك لك صدور كتابك الجديد بعنوان (في اللسانيات وبلاغة النص: رؤى نظرية وآفاق تطبيقية) وفي هذا الكتاب تشير إلى العلاقة السليمة بين المأخوذ من المقولات النظرية الغربية والنص العربي.. هل يمكن أن توضح لنا ذلك؟

من المشكلات التي نعاني منها في الدراسات اللسانية والنقدية في العالم العربي أننا نقتبس المقولات والنظريات الغربية ونُنزّلها على النص العربي كما هي دون زيادة أو نقصان، ودون أن نتفكر في إمكانية نقدها وتطويرها بما يتلاءم مع خصوصية النص العربي، ونحن في ذلك كمن يجتلب الدب القطبي ليعيش في صحراء الحجاز متجاهلين أن البيئة الجديدة لا تصلح لأن يعيش هذا الكائن فيها. وقد حاولت في هذا الكتاب وفي غيره من مؤلفاتي ألا أجتلب الدُبّ القطبي إلى الصحراء، فبنيت الأطر النظرية من خلال دمج الرؤى العربية مع ما يلائمها من رؤى لسانية حديثة، ومراعاة الطرائق الخاصة لأبنية كل نمط من أنماط النص العربي، والانطلاق من ذلك كله إلى آفاق التأويل.

إننا إذا طالعنا رسائل الماجستير والدكتوراه التي أُنجِزَت في عالمنا العربي مُتخذةً الاتجاهات الغربية اللسانية أو النقدية مُنطلقًا لها، سنجد أن أكثر الباحثين يرددون المقولات النظرية لتلك الاتجاهات الغربية كما هي، بل يصل الأمر بأولئك الباحثين إلى ترديد النصوص الموجودة تحت كل مقولة من تلك المقولات، وكأنها نصوص مقدسة لا تقبل التعديل. وقد ارتضيت لنفسي ألا أسير في هذا الركب، فمنذ أول كتاب لي (النحو والإبداع: رؤية نصية لتأويل الشعر العربي القديم) لم أُرِد السير خلف المقولات النظرية في سبك النص وحبكه كما هي، بل ارتضيت بعضها، وأوضحت ما لا يتوافق منها مع النص العربي، وأضفت إليها مقولات أخرى استخلصتها بناء على استقراء نصوص المعلقات، وفعلتُ مثل ذلك في كتابي الجديد؛ فعلى سبيل المثال عمدتُ في بعض فصوله إلى الوسائل المتناثرة في كتب التداولية عند التداوليين الغربيين، وعرّفتُ بها، وجمعتها في إطار واحد يجعل منها هيكلًا نظريًّا جديدًا واضح المعالم، وقارنته بما جاء عند سيبويه من أفكار تصب في هذا الإطار. ومن كلا الأمرين- كلام الغربيين وكلام سيبويه- استطعت صياغة مقولات مهمة ربما تضع بعض المعالم الجديدة لمن يرجو البحث في هذا المجال فيما بعد.

 - ما الذي يحرض الشاعر فيك قبيل لحظة التجلي الشعري، هل هو التشبع المعرفي أم الفطرة الشعرية؟

لا شك أن الفطرة عند الشاعر المطبوع تسبق المعرفة في لحظة التجلي، ولو سبقت المعرفة الفطرة لأتى الشاعر بنظم باهت بارد لا روح فيه، لكن الشاعر في عصرنا الحاضر لم يعد هو ذلك الشاعر الذي يوظف خياله ومعطيات البلاغة القديمة ونحو ذلك مما كان متاحًا بين يديه من معارف فحسب، بل أصبح لدى الشاعر المعاصر من وسائل البناء الفني ما لم يُتح للشاعر القديم؛ نحو: استدعاء التراث، والتناص، والرمز، وتراسل الحواس، وإيحاءات الإيقاع، وتوظيف معطيات السرد، وتوظيف التكنيكات المسرحية والسينمائية والروائية مثل الفلاش باك والمونولوج الداخلي والحوار وتعدد الأصوات. وكل ذلك يتطلب بلا شك معرفة واطلاعًا وثقافة عريضة؛ ومن ثم فإن المعرفة رافد مهم من روافد الإبداع، لكنها لا تسبق الفطرة، أو ينبغي لها ألا تسبق الفطرة.

- كُتبت أبحاث في شعر د. محروس بريك ومنها ما تناول الصورة ودلالاتها.. ما هو تأثير الصورة ودورها في الإبداع الشعري؟

نشرتُ بعض القصائد في ديواني الأول (قبل الشتات) مصحوبة ببعض الصور التعبيرية، وقام الناقد الدكتور أحمد فرحات بنشر دراسة عن دلالات تلك الصور في ذلك الديوان، والحق أن نشر بعض الصور التعبيرية أسفل بعض القصائد كان تقنية مشهورة عندما كانت تنشر قصائد كبار الشعراء في المجلات المختلفة، فقد كانت قصائد أمل دنقل، على سبيل المثال، تُنشر في الصحف والمجلات المختلفة مصحوبة بعتبات غير لغوية تتمثل في الرسوم والصور والأيقونات، ومن تلك المجلات مجلة (الكاتب)، ومجلة (الشعر)، ومجلة (المجلة)، ثم خلت نسخُ الأعمال الكاملة لأمل دنقل من تلك العتبات غير اللغوية، فيما عدا صورة الشاعر على الغلاف. إن تلك الصور المصاحبة للقصائد هي عتبات غير لغوية، وظيفتها الأساسية وظيفة تفسيرية، تُسهم في تأويل النص وتوجّه المتلقي إلى معنى دون آخر خاصة في القصائد الرمزية، كما أنها تسد بعض الفجوات المتعمدة في البناء الفني للنص.


محروس بريك

 - للإيقاع الشعري نصيبه الكبير في دراساتك وأبحاثك.. ما هي اختلافات وظيفته في القصيدة العمودية والتفعيلة من جهة وقصيدة النثر من جهة أخرى؟

من المعلوم أن مصطلح (الإيقاع الشعري) مصطلح أعم وأشمل من مصطلحي (العروض والقافية)، وفي القصيدة العمودية نوعان من الإيقاع: أحدهما إيقاع عروضي قافوي، ووظيفته في القصيدة العمودية وظيفة بنائية، والآخر إيقاع شعوري نفسي داخلي ووظيفته إيحائية، ولا تختلف قصيدة التفعيلة عن العمودية في ذلك إلا في التحرر من الالتزام الكمّي، لكن بعض شعراء التفعيلة الكبار استطاع أن يوظف تكرار الوقع الصوتي في إنتاج بعض الدلالات التي لا تتسع صرامة البيت الشعري لتحملها؛ فعلى سبيل المثال استطاع أمل دنقلأن يجعل من تكرار صوت تفشّي الشين موسيقا تصويرية تُعَدّ صدى للوشوشة التي يقوم بها الوشاة لدى الحاكم، وذلك في قوله:

إلا الذين يُمَاشُون

إلا الذين يعيشُون يحشُون بالصحف المشتراة العيون فيَعْشُون!

إلا الذين يَشُون

وإلا الذين يُوَشُّون ياقات قمصانهم برباط السكوت

وقد أشرت في كتابي (في اللسانيات وبلاغة النص) إلى أن بعض شعراء قصيدة التفعيلة قد يلجأ إلى تقييد كلمة آخر السطر الشعري اختيارًا لا اضطرارًا لدلالة يتوخاها، من ذلك قول صلاح عبد الصبور:

مرَّ زهرانُ بظهرِ السوق يوما

واشترى شالاً مُنَمْنَمْ

ومشى يختال عُجبًا، مثلَ تُركيٍّ مُعَمَّمْ

ويُجيلُ الطَّرْفَ ... ما أحلى الشبابْ

عندما يصنعُ حبَّا

عندما يجهدُ أن يصطادَ قلبَا

حيث قيَّد الشاعر القافية في قوله (مُنَمْنَمْ)، على الرغم من أن النحو يقتضي إطلاقها بالفتح، لكونها صفة لكلمة (شالاً) المنصوبة، وغرض الشاعر إحداث توافق صوتيّ مع كلمة القافية في السطر التالي (مُعَمَّمْ)، وهذا التوافق لا يقتصر على حرف الروي، بل يتعداه إلى إحداث توازٍ إيقاعي بين الكلمتين (منمنم/ معمّم) فكلتاهما على زنة (فعولن)، كما يتتابع فيهما حرف الميم ويتكرر بشكل متوازن؛ فنتج عن هذا التكرار لصوت الميم نغمة موسيقية مُوقَّعة بشكل منتظم، أكّدها تكرار صوت النون في كلمة (منمنم)، وكلاهما صوت أنفيّ أَغَنّ، فتشكَّلت بذلك خلفية موسيقية لتلك الصورة المُشاهَدَة لذلك الاختيال والعُجب؛ فهو اختيال تُدركه العين، ولا تخطئ وَقْعَه الأذن.

وأما قصيدة النثر فوظيفة الإيقاع فيها ليست وظيفة بنائية بل إيحائية؛ إذ تخلو من الإيقاع البنائي، فوظيفة الإيقاع فيها مبناها على التأثير الإيحائي والشعوري، وقد حاول بعض شعراء قصيدة النثر أن يحمّل ذلك الإيقاع أو ذلك الوَقْع الموسيقي في قصيدة النثر وظيفة تعويضية بديلة للإيقاع البنائي.

8- هل كتبت شعرا للأطفال؟ وهل من الممكن أن تحدثنا عن أهمية بناء الجملة فيه؟

نعم كتبت بضع قصائد للأطفال اليافعين، وما زلت أفكر في أن أضع ديوانًا للأطفال، لكن الكتابة للطفل أشد صعوبة من الكتابة للكبار، فهي تتطلب جهدًا كبيرًا من الشاعر، وإدراكًا لماهية إبداع الأنشودة أو النص الشعري الموجه للطفل؛ إذ يخلط كثير من الشعراء بين (شعر الأطفال) و(الشعر عن الأطفال)، هذا من جهة. ومن جهة أخرى هناك مشكلة حقيقية في كيفية بناء النص الشعري الذي يلائم كل مرحلة عمرية على حدة، وكيفية انتقاء المفردات من حقل الطفولة، وكيفية بناء الجملة وصياغة التراكيب الملائمة لكل مرحلة، وكيفية استغلال الإمكانات الإيقاعية وتعانقها مع المستويات المعجمية والتركيبية لتقديم نص يبدو في ظاهره سهلاً، لكنه في الواقع نتاج عناء إبداعي وفكري حقيقي. كما أن شعر الأطفال لابد أن يحمل بعض القيم التربوية، وهذا تحدٍّ آخر.

إن شعر الأطفال إنما كُتب ليُنشَد، والشاعر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحقق للطفل طربية إيقاعية دون أن ينزلق في الإيقاع من الإطْراب إلى الاضطراب، فالطفل يطرب إلى الإيقاع المتكرر والوَقْع المتناغم غير المركب، وهنا تكمن صعوبة أخرى في إبداع هذا النمط من الشعر تتمثل في حرص الشاعر على ألا يؤدي هذا الوقع المتناغم إلى الملل، ولابد حينئذ من أن يحرص الشاعر على كسر هذه السيمترية النغمية ببعض الانكسارات الإيقاعية التي تعمل على تموّج النغم لا على اضطرابه.

 9- كيف يتعامل الشاعر محروس بريك مع القوافي وكيف يطوعها لصالح روح النص الشعري ودلالاته؟

أشد ما أنفر منه تلك القوافي النافرة المستجلبة، وأكثر ما يطربني تلك القوافي المتمكنة التي لا يغني عنها غيرها في مكانها، وإذا دل النوع الأول على غلبة الصنعة في شعر الشاعر، فإن النوع الآخر يدل على مدى صفاء طبعه واتساع رؤيته، وكم من قصيدة عظيمة تفسدها قافية واحدة مجتلبة. لكن القوافي ليست لها وظيفة موسيقية فحسب، بل إن الشاعر الحق هو ذلك الذي يحمّل قوافيه بعض الإيحاءات دون أن يظهر في ذلك أثر للصنعة، وليست الشاعرية في أن ينظم أحدنا على روي دون غيره، بل في اختيار القافية الملائمة للسياق الشعوري الذي يسيطر على بنية القصيدة، ولا أعني بالقافية هنا حرف الروي فحسب، بل أيضًا نوع القافية من حيث كونها مردوفة أو مؤسسة أو مجردة، وكونها مطلقة أو مقيدة. ومردّ الاختيار في ذلك ليس قاعدة ناظمة تشمل جميع أنواع القوافي، بل مرده إلى فطرة الشاعر وذكائه ومدى توظيف تلك الكتلة الصوتية التي تتكرر في نهايات الأبيات توظيفًا يتلاءم مع السياق الشعوري للنص الشعري.

إننا نحن الشعراء العرب لدينا بعض الأحكام والانطباعات المسبقة الخاطئة عن القوافي، فعلى سبيل المثال قد شاع لدينا تحميل ما يُسمى بــ (القوافي النُّفُر) دلالات الصعوبة لندرة القصائد المنظومة على مثل تلك القوافي، ثم وقَرَ في أنفس الشعراء أنه لا يُنظَم على تلك القوافي إلا في أغراض المدح أو الهجاء أو الفخر دون الغزَل مثلاً، وما ذلك إلا لأن الضاد والظاء ونحوهما أصوات مفخمة من صفاتها الجهر والإطباق، فوقعها الصوتي لا يناسب رقة الغزل في زعمهم! لكنني لا أومن بالأحكام المسبقة ما لم تخضع للتجريب، وقد كتبت في الغزل على روي الضاد والظاء فألفيتُ القصائد في غاية الرقة، وشهد لرقة تلك القصائد وعذوبتها نقاد أمثال الدكتور سعد مصلوح وهو من هو في مجال الأصوات والنقد والشعر معًا، ولو كانت مساحة النشر هنا كافية لمثال على ذلك لوضعت بين يدي القارئ نصًّا شعريًّا يؤكد ما أدّعيه، لكنني أحيل القارئ إلى دواويني المنشورة أو إلى صفحتي على الفيس بوك، ولست بذلك أستطيل على القارئ بادعاء الشاعرية، بل لأحيله إلى أن الأحكام المسبقة لا يمكن التسليم بها ما لم تخضع للتجريب الفني.

العبرة إذن ليست في نوع القافية، ولا في نوع الروي، بل في كيفية توظيف كلمات القافية، وانتقاء الكلمات الملائمة من بين البدائل المعجمية المتاحة، بحيث تبدو كلمةُ القافية مطمئنةً غيرَ ناتئةٍ في مكانها، مناسبةً للتجربة الشعرية في النص، معبرةً عن المشاعر التي تختلج في نفس المبدع والمتلقي معًا.

- أطلق اسمك على دورة مهرجان شعري دولي في المملكة المغربية.. كيف كان صدى هذا التكريم عليك.. وإلى أي مدى على الجهات المعنية أن تكرس فكرة تكريم مبدعينا العرب؟

عندما أبلغتني إدارة المهرجان بالمملكة المغربية بإطلاق اسمي على (المهرجان الدولي السادس للشعر: دروة الشاعر المصري محروس بريك) شعرت بكثير من المشاعر المتناقضة، سرور يشوبه شيء من الدهشة، فقد كان اختيارهم لي على غير توقع مني، كما أنه ليس من المألوف إطلاق اسم شاعر من بلد عربي على مهرجان معروف في بلد عربي آخر، كما أنني عندما طالعت أسماء المشاركين من الشعراء والنقاد تملكتني الدهشة، فهم ينتمون إلى عدة بلدان ناطقة بعشر لغات! لكن ما يبعث على الإعجاب الشديد أيضًا أن المؤسسات العلمية والثقافية في المملكة المغربية لديها تقليد راسخ في مؤتمراتهم العلمية ومهرجاناتهم الإبداعية، يتمثل في تكريم العلماء والكتّاب والأدباء والمفكرين في حياتهم بإطلاق أسماء العلماء على مؤتمراتهم وإهداء البحوث إليهم، وإطلاق أسماء الشعراء والمفكرين على مهرجاناتهم الأدبية كذلك، وهو تقليد غربي معروف في أوربا وأمريكا، وقد شاركت في عدة مؤتمرات ومهرجانات في المملكة المغربية وعاينتُ ذلك بنفسي، وكانت البحوث الملقاة في تلك المؤتمرات تتسم بالجدة والعلمية، ولم تكن مجرد احتفاء ومدح.

إن تكريم المبدعين في حياتهم يُعَدّ دافعًا معنويًّا مهمًّا لبذل مزيد من الجهد لاستكمال مسيرة الإبداع، لكن مما يؤسف له أننا في المشرق العربي لا نكرّم علماءنا وشعراءنا ومفكرينا إلا بعد رحيلهم عن الحياة، بل إن بعض العظماء لا يُلتفَت إليه حتى بعد وفاته! وقد كنتُ شاهدًا على كثير من الوقائع المؤسفة حيث ترفض بعض مؤسساتنا الأكاديمية تسجيل أطروحات علمية حول جهود علماء كبار بحجة أنهم ما زالوا على قيد الحياة!!

 - وأنت تستمع لشاعر ما.. أو أثناء حضورك لأمسية شعرية مثلًا.. ما الذي يجعلك تقتنع بهذا الشاعر أو ذاك؟ اللغة؟ الشعرية؟ نضوج التجربة؟ ...إلخ

كل ذلك مهم، لكن اللعب على اللغة فحسب نوع من الجَلَبة وإثارة الغبار دون أن يكون لذلك كله صدى في بنية النص الفنية، إنّ أكثر ما يضرّ بمسيرة الشعر العربي الآن هو تلك الأحكام الانطباعية المتعجلة التي ألزمنا إياها إيقاع العصر اللاهث، وزادت وتيرتها بعد ظهور المسابقات التليفزيونية التي تتطلب ردًّا آنيًّا من الناقد وهو على البث المباشر، وخطورة ذلك أنه يرفع بعض الشعراء إلى درجات ليسوا أهلًا لها، والأخطر من ذلك كله أن يتخذهم الشداة من الشعراء مثالًا يُحتذى في إبداع الشعر، فأصبح لدينا الآن نمطٌ واحدٌ للقصيدة العربية يردده الشعراء في مشارق العالم العربي ومغاربه!!

إن الاقتناع بشاعر ما لا يتحقق إلا ببناء رؤية نقدية عن إنتاجه الشعري، ولا سبيل لهذا إلا بالاطلاع على مجمل تجربته الشعرية، أو على نماذج كافية للحكم على تلك التجربة، أما الحكم على قصيدة دون غيرها بالجودة من خلال السماع فمرده بالطبع إلى الإعجاب اللحظي ببعض المواطن في النص، وعدم الإعجاب بمواطن أخرى في النص نفسه، وفي كل الأحوال لا يخدعني بعض الشعراء ببراعتهم في الإلقاء لنصوصهم الضعيفة.

- الدهشة والإدهاش مع التمكن في اللغة معادلة قلما يصل إليها الشعراء، فكثيرًا ما قد يكون الإدهاش معتمدًا على تركيبات لغوية فارغة وكثيرًا ما قد يقع السبك المتين والسلامة اللغوية في فخ الرتابة، كيف يمكن للشاعر برأيك تحقيق هذه المعادلة؟

بعض الشعراء يستطيع أن يجابه المتلقي بصورة أو قافية غير متوقعة فتكون أجمل وأنسب وأكثر إدهاشًا من الصورة أو القافية المتوقعة، لكن المهم في ذلك كله ألا ينشغل الشاعر بعملية إدهاش القارئ، فذلك ليس غرضًا في حد ذاته، والشاعر الذي يتكئ في شعره على تحقيق عنصر الدهشة أشبه بالحُوَاة ولاعِبي السيرك الذين يبهرون المتلقي بحركات بهلوانية لكنها في النهاية لا تحمل خلفها أي معنى جوهري. ويؤسفني أن أرى حولنا انشغال أغلب الشعراء الشباب بتلك الحركات البهلوانية في الشعر من الذين يعتمدون على تركيبات لغوية فارغة كما تفضلتِ، ويقابلهم أيضًا فئة من الشعراء النظّامين الذين ينشغلون بالشكل على حساب المضمون.

إن الشاعر الحقيقي هو ذلك الشاعر المخلص لتجربته وفنه بعيدًا عن اللُّهاث خلف تحقيق تلك الدهشة المصطنعة، أما إذا حقق الشاعر الإدهاش للمتلقي بشكل عفوي دون أن يلوي عنق النص ليًّا، فذلك من متطلبات الفن وماهيته؛ إذ النص ليس كتلة من الكلمات المتراصة، وليس مجموعة من الصور المتنافرة غير المألوفة، والشاعر المبدع هو من لديه (شجاعة الحذف)، حيث يعمد إلى نصه قبل إتاحته بين يدي المتلقي فيحذف منه الأبيات الناتئة والصور النافرة ويستبدل الكلمات القلقة والقوافي المجتلبة حتى يأتي نصه و(قد أُفرغ إفراغًا واحدًا) على حد تعبير نقادنا القدماء، وبعبارة أخرى: ينبغي على الشاعر أن يكون أول متلقٍّ لشعره، وأول ناقد له.

 - أربعة دواوين شعرية وعشرات الأبحاث والكتب النقدية والعلمية والندوات والمؤتمرات، هل ما زال لدى مبدعنا الشغف للمزيد؟

ليس الشغف وحده الذي يدفع الباحثين والأدباء إلى مزيد من العطاء، بل لابد من المعاناة، فالنفس تملّ، ومع مرور الزمن يقع العالم أو المبدع في فخّ التكرار، ومرَدّ ذلك إلى نضوب الأفكار والعواطف، ولكي تتجدد الأفكار لابد من تغيير نمط الحياة، ومطالعة المزيد من التجارب الأدبية، والاطلاع على كل جديد في مسيرة الأدب والنقد واللسانيات. أما الركون إلى ما حققناه من إنجاز دون إضافة لجديد فهو أضرّ شيء بهذا الإنجاز، وهادينا في هذا كله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها).

 - إلى أي مدى أنت مؤمن بحيوية اللغة العربية؟ وممَ تخشى على مستقبلها في ظل هذه التحديات الكثيرة؟

اللغة العربية لغة متجددة تتسم بالمرونة والاتساع والحياة، وليست المشكلة الآن في اللغة بقدر ما هي في أذهان أصحاب اللغة، وفي طريقة تعاملهم مع هذه اللغة، إننا نتصايح في نوادينا أن العربية في خطر، وليس ذلك صحيحًا، إنما الخطر كل الخطر على من يولّون وجوههم شطر الغرب ليتخذوا لسانهم لسانًا لهم في التعليم والبحث العلمي، في حين أن تاريخ الأمم والشعوب يؤكد لنا أنه ما من أمة حققت نهضة علمية حقيقية بغير لغتها الأم. إن الحديث عن العربية ذو شجون، ولن تفي بضع صفحات هنا لكي نتحدث عن تلك المشكلات التي نعانيها نحن الناطقين بالعربية لا العربية في ذاتها.

 

 


تعليقات


bottom of page