top of page
Seagulls Post Arabic

عماد محمد بابكر: الأحلام في الأدب السوداني.. تنوع الحضور والتوظيف

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 6 فبراير 2025
  • 6 دقيقة قراءة

عماد بابكر - السودان
عماد بابكر - السودان

عماد محمد بابكر: الأحلام في الأدب السوداني.. تنوع الحضور والتوظيف

 بين داع لتركها وباحث عنها، تمدد مساحة الحلم في الأدب السوداني خضراء متنوعة المنابت والنبت، وحضور الحلم في أي أدب يقتضيه حضوره في الحياة الحقيقية التي تجسدها الآداب، أو تحاول به صنع حياة موازية تتسع لما يضيق عنه الواقع. والأمران يقتضيان الوجود.

القصائد المغناة

  لعل القصائد المغناة تكسب بأدائها بعدًا آخرًا يمنحها قوة إضافية وسيرورة أكثر، خاصة إذا توفرت لها حناجر متفردة، وألحانٌ تحرك الوجدان، وديوان الغناء السوداني حافلٌ بجميل الشعر وعذبه، وما بث حال المحبين، هواجسهم ورغباتهم، ومن ذلك لقاء الحبيب، وتلك غاية منشودة في الواقع، أو سبحات الخيال عند من يبخل بالزورة أو يطيل على عاشقه ترقبها، ومن ذلك قول الشاعر (عمر البَنَّا 1900-1989) داعيًا – باللغة المحكية- محبوبه للزيارة:

" في الطيف أو في الصحيان زورني

ياحبيبي أنا عيان"

"البَنَّا" وإن خير محبوبه إلى أن قلبه أميل لرؤية محبوبه عيانًا بيانًا:

"مالو لو في بعض الأحيان

تسمح لى صحوًا أراك عيان

تأخد ياحبيب عن حالي بيان

عسى تبقى قلوبنا في الغرام سيان".

ولئن كان ذكر الحلم عند "البَنَّا" مدخلًا لبث الشكوى، فإن

شاعر المحكية (محمد ود الرضي 1886-1884) في قصيدته (ليالي الخير) أوغل في الحلم:

"شفت في الأحلام ظُبى يتهادن

 برخيم نغمات خلي يتنادن

عبرات الشوق بى إزدادن

 تلكم أحلام ليت يتمادن"

 رأى "ود الرضي" الظباء يتهادين في مشيتهن ويتنادين بنغم رخيم، وأمعن في الوصف وراح يصور على حركتهن، لكن هذا الجمال انقطع بشكل مفاجئ عندما استيقظ من نومته. حاول ودالرضي استبقاء ظبائه باستبقاء الحلم، ولكن هيهات "حاولت النوم لكن كلَّا، هيهات يعود الكان ولَّى".

 وفي حين يتناوم ودالرضي مستجديًا الحلم، فإن مصطفى بطران (1904-1939) يقف على النقيض طالبًا من محبوبه ترك الأحلام، وذاك مسلك قل سالكوه، فالحلم زاه جميل عند غالبهم، يقول بطران:

" اطرد الأحلام يا جميل وأصحى

قوم نقضي الليل في ضفاف النيل

 ننشد الفسحه

شوف جمال الليل يا جميل وأصحى

واسمع البلبل ولهجته الفصحى"

إن بطران يرى في الواقع سحرًا يبزُّ الحلم ف (كل شيء ميسور والظروف سمحه) وهذا تحليق شاعري، وخروج على المكرور ومغايرة للمعهود.

قلبان، وحلم واحد

 من الأعمال الخالدة في الأدب السوداني مسرحية (المك نمر)، أو (طه وريا) للشاعر إبراهيم العبادي((1894-1981، وهي مسرحية شعرية بمحكية أهل السودان، تدور أحداثها الرئيسة في إحدى بواديه (سهل البطانة)، طه وريا بطلا المسرحية أبناء عم، وكان من المؤمل زواجهما لولا وفاة والدها، ما جعل الزواج يرفع لعام بحسب العادات خاصة إذا كان المتوفى كبير القدر عالي المكانة وهو حال والد ريا زعيم القبيلة، في هذه المسرحية يبدأ المشهد باستيقاظ طه مفزوعًا من حلم راوده، وتحاول ابنة عمه أن تخفف عنه باخباره عمَّا جرى لها، فلقد حلمت حلمًا لم يرقها لكنها جعلت السبب أنها نامت في وقت يُذَمُ فيه النوم، والعبادي هاهنا يوظف الحلم توظيفًا مركبًا؛ فهو يستهل المسرحية بحدث مؤسس، مؤهل لأن يكون رأس موجة لما يعقبه من أحداث، كما أنه يفتح أفق الترقب عند المتلقي لها، والاشتراك في الحلم (بين طه وريا) يرسخ فكرة المشاعر المتبادلة والهم المشترك، فكلاهما يحب الآخر ويأمل في الزواج منه، كما أنه لا يسند الفعل لواحد وإنما هم فيه مشتركان، والاشتراك يقوي من احتمال حصوله، وهذا ما صرَّح به العبادي على لسان طه:

" وانتي (أنتِ) كمان رأيتي صقور!

عبارة غريبةعلامة كافية،

 ظنيت الحكاية قريبة"



إبراهيم العبادي - السودان
إبراهيم العبادي

 ثم يروي طه لريا حلمه، راسمًا لوحة سردية مليئة بالأحداث، وهي وإن بدت قاتمة اللون إلا أنها مشبَّعة بالإبداع، ومما يجعل هذه المسرحية (المك نمر) من الأعمال الأدبية صعبة التجاوز حال الحديث عن الحلم؛ اشتمالها على حلمين لبطلين من أبطالها، وأنهما كالواحد من حيث التشارك -كما سلف-، وأنهما مثَّلا مساحة كبيرة (كمًا)، وجميلة في صياغتها، كما أن المسرحية اصطحبت ما حول (الحلم) في الثقافة والمعتقد؛ مثل كون النوم لا يحب في بعض الأوقات (أمس النهار كُت (كنت) نايمة)، وقول السامعين للرواي حلمه:"خير إن شا الله" وذلك مما قالت ريا لطه ( خير إن شا الله خير، والخير مساك وصباحك). ثم إن الحلم تحقق وبدا تأويله:

"يا ريّا الحلم ما شفتى كيف اتهول!واتفسر براهو وبالشين علينا اتأول"

إن الحلم في هذه المسرحية دال على إبداع هذا الشاعر الذي أترع مسرحيته ثقافةً، وحكمةً، وحسن تصوير، وجعلها من الحافظات للثقافة السودانية، كما حاولت معالجة قضايا تهم المجمتع السوداني.

نقلات:

 الإفادة من الحلم وتوظيفه يعتمدان على مايتمتع به الحلم من خصائص، كالقدرة على النقلات الزمانية والمكانية. وهذا مما فطن له الأقدمون وأشاروا إليه متسائلين عن قدرته في قطع المهامه والمفازات، بين أن ينتقل الشاعر أو الطيف من مكان لآخر مثلما انتقل الشاعر صلاح أحمد إبراهيم (1933-1993) من باريس إلى الخرطوم، والهموم مسيطرات عليه، فصاحبه مشفق على والده من بطش السلطة هناك:

"صحوت في الهزيع بعد الثانية

منزعجًا لرؤية رأيت فيها والدي

تهارشته ذاهبًا للفجر والقنوت

العسس السواري"

صلاح أحمد إبراهيم - السودان
صلاح أحمد إبراهيم

ويرسم صورة والده شيخًا وقورًا بعصاه وعباءة قديمة ألقى بها فوق كتفه، ومضى لصلاة الفجر

"يا أنت قف عندك... أنت... أنت.

كيف تتحدى حالة الطوارئ

والحظر بعدُ ساري؟

لربما أجابهم متمتمًا، أو لاذ بالسكوت

لكنني سمعت طلقًا ناري"

يوظف الشاعر هذا الحلم في صناعة قصة يُحمِّلها مايريد من وصفٍ للعسس واعتدائهم على شيخ أعزل لايفكر في إلا في صلاته، ربما لم تحدث في الواقع، وربما لم يحلم بها أصلًا، لكن الشاعر صيَّر الحلم مسرحًا لأحداث القصة، مسرحًا يستطيع الانتقال إليه من باريس ليس راويًا للأحداث فقط، بل متداخلًا فيها (هرعت نحو والدي.. مادًّا إليه بيدي) والمسرح فيه الشعب كذلك، يصوره صلاح تصويرًا عجيبًا:

"مكتفًا وعاري

مكورًا كفردة الحذاء القذر العتيق في كومة بالدرب

ينبع نهر أرجوان من فويهة بصدره المعروق..

يسيل داكنًا يصب

في حفرة المجاري

أجهشت بالبكاء – في الحلم ويقظان – ما دريت ما السبب"

إن الذي أتاحه الحلم لصلاح من انفلات من قيد المكان، وحشد للشخوص، ورسم لصور لايمكن للواقع استيعابها (ينبع نهر أرجوان من فويهة بصدره المعروق) وغير ذلك، مثال لإفادة الشعراء من لانهائيات الحلم، وشواهد توظيف الشعراء للحلم متنوعة استغلالًا للبراحات التي يتيح. فمنهم من انتقل زمانًا ومن تنقل بين أمكنة مختلفة في ثوان أو خلط بين أكثر من مكان.، وفوق ذلك هروبا من المعقول إلى اللامعقول الذي لايعرف إطارًا.

 

تماه

 لئن شَكَلَ الحلم بوابة انتقال مكاني وزماني، فإن الانتقال إليه لا يكون واضحًا دائمًا، وقد يتقارب الواقع مع الخيال للدلالة على فرح عظيم، أو أسى موجع، فجمال الخيال (الحلم) تميزه بالبعد عن الواقع، مايقتضي عند تقاطع الواقع معه مخالفة الاعتياد. أو ربما صنعًا للغرائبية التي تجافي الواقع.

 يراوح الطيب صالح (1929-2009) في بعض سردياته بين الحقيقة والخيال كما في قصته القصيرة (الرجل القبرصي)، وكذلك في (ضو البيت) أو (بندر شاه) "قرأ الإمام سورة (الضحى) بصوت مجلجل، استمد قوته من أحزان الرجال الذين اجتمعوا ذلك الفجر دون سبب واضح وعلى غير موعد.......وكان "محيميد" يتأرجح تحت وطأة كل ذلك بين الشك واليقين، يحس حين يركع أنه وصل، وحين يسجد يكتشف أن قلبه فارغ من كل شيء. ثم فاض البكاء، وحمل الموج الآيات المتلوّة آية آية تخفق على السطح كأنّها أعلام.


الطيب صالح - السودان
الطيب صالح

وأحس "محيميد" أنّه يغرق، ورأى فوق خط الأفق الشخص الّذي كان جالسًا تحت النافذة......." ينتقل من المسجد إلى بهو عجيب حيث الجد و"بندر شاه"، إلى أن يستيقظ مما اعتراه، وقبل تلكم اليقظة يتناص مع الحلم اليوسفي " وكان "بندر شاه" يجلس في صدر القاعة يسمع ويرى، وأصوات تنادي "يا أبانا اغفر لنا وارحمنا".  

كانوا إخوة إحدى عشر، أرقاء للذي مضى والذي لم يجئ، من حيث العدد والخضوع.

 ولعل هذا التماهي بين الحلم والواقع والانتقال بينه يكثر في النصوص الأدبية ذات المجازات الكثيرة، والتي تعمد إلى الكتابة على مستويات مع فتح الباب لتأويلات متعددة، ومن النصوص المتصفة بذلك قصيدة الشاعر محمد المكي إبراهيم (1939) (لا خباء للعامرية)،


محمد المكي إبراهيم
محمد المكي إبراهيم

والتي تنطلق مجازاتها من العنوان بداية، يستهل المكي هذه القصيدة بقوله:

"لا أسميك وهمًا

فما في الحقائق أكثر حقًا ورعبًا

من الموت تحت السنابك

أنت حقيقية كالمزابل

حتى يجيء الخريف ويكنسها بالمطر"

ثم يشرع في رسم المشاهد المتتالية المتأرجحة بين العالمين، تأرجح يخلق حيرة في التلقي وحيرة عند الشاعر ذاته فيسأل:

"حلم سيء، أم نهار جديد؟"

وتواصل القصيدة تأرجحها، كأن "المكي" يقول إن الذي يحدث غير منطقي، وهو في سوئه للكوابيس والأحلام السيئة أقرب، كأن الحلم مقياسٌ لمنطقية الأشياء فالمقارب له مخالف للمنطقي، خيرًا أو شرًا كان. إلى أن ينهي مطولته راغبًا

"ضاعت الفرصة الذهبية منَّا

فهيا افسحي لي قليلًا.. دعيني أنام

نبهيني إذا نهض العشب بين الخنادق والزهر قام".

إلى أن يقول:

" نبهيني لأنهض من رقدة الموت

 من شلل الخوف

أنشر أجنحتي ذاهبًا للبلاد التي تتراءى لي في المنام"

 

أحلام سردية

 إن كانت الأحلام غير واضحة الحدود مع الواقع في سرديات الطيب صالح المشار إليها سابقًا فإن لها في سرديات سودانية أخرى حضورًا ساطعًا، كما في رواية المترجمة للروائية السودانية (ليلى أبو العلا) إذ يدهمك في الجملة الأولى، تبدأ أبو العلا (1964) روايتها قائلة: " رأت في الحلم أن الدنيا أمطرت، وأنها لن تتمكن من الخروج للقائه كما كانت تعتزم. ليس بإمكانها أن تخوض في المياه الغزيرة المعادية. لايمكنها أن تغامر بطمس حبر الأوراق التي كلفها بترجمتها. كما أن القلق الذي اعتراها لشعورها بأنها جعلته ينتظر تخلل كل الحلم" وبالمضي في قراءة الرواية يتبين للقارئ أن تلكم الأحلام تشير إلى نهارات البطلة، كأن الروائية تجذبنا شيئًا فشيئًا إلى حياة بطلتها ولتبدأ في رسم ملامح شخصيتها، فهي مترجمة، وهي على أقل تقدير مهتمة به وذاك يوضحه القلق الذي اعتراها. كما أن تبعات الأحلام لا تكف.

 وبينما تبدأ "ليلى أبو العلا" روايتها بالحلم ثم تتناسل الأحداث، يبدأ القاص "علي المك "سرديته الرائعة (الشرب من كأس خشبي) بفكرة يحاول مناقشتها (كروية الأرض وجدوى النقاش) ثم يلجأ في الأحلام لنقاش أكثر تنوعًا واستفاضة (رأيت فيما يرى النائم شجرة وارفة الظلال، تقوم على قبة الأفق.....) ثم يمضي "علي المك" إلى أبعد من ذلك (رأيت فيما يرى النائم، نومة في جوف نومة فاعجب......) يجر النقاش نقاشًا والحلم حلمًا.

قبل انتهاء الحلم

من القلوب تنبع الآداب وإليها تعود، غير القلوب قد تتمايز في تجاوبها وفي الصدى العائد منها، وتبقى الأحلام ملجأ لصناع الأدب ومتلقيه، ولكل من أحتاج ما ليس عنده، فكيف إن كانت الحاجة لبلاد تتراءى لنا في المنام.

 

 

 

 

 

تعليقات


bottom of page