شهادات - وحيد الطويلة:لا شيء أصدق من حلم
- Seagulls Post Arabic

- 6 فبراير 2025
- 4 دقيقة قراءة

شهادات - وحيد الطويلة:لا شيء أصدق من حلم
جملة "فيلليني" الخالدة التي حفزت الكثيرين في هذا العالم على أن يحلموا وبقوة، يحلموا ولو تم تعذيبهم، يحلموا ولو عاشوا في بلاد كبلادنا.
أؤمن مثله بمقولته، جعلت بطل روايتي (حذاء فيلليني) يحلم بأن يرمي الماضي وأن ينظر إلى المستقبل، كي لا يتم اغتيال حياته مرتين، في الماضي بالتعذيب وفي المستقبل بكوابيسه، حاولت أن أجعله ينظر للأمام بدل أن يجتر ذلك في غده، أقول حاولت، رغم صعوبة ومرارة التجاوز، حتى أنني مددت يدي داخل الرواية وأمسكت بيد من تم تعذيبه وضغطت معه على مفتاح الكهرباء الذي كان يرتعب لمجرد اقترابه منه حيث يتذكر لحظتها ما حدث له.
ولدت في منطقة أكبر حلم فيها أن تصبح مفتشًا للتموين، تستطيع أن توفر لأهلك وناسك الزيت والسكر، لم تكن لدينا أحلام بالسلطة التي كانت تبدو لنا كعزرائيل الحياة، لم نكن نرى الضباط ولا حتى العساكر إلا لمامًا، لم نكن نجرؤ، في المرحلة الثانوية شاهدت الضابط للمرة الثانية في حياتي، كان واقفًا على كوبري المركز فاتحًا رجليه قليلًا ويديه في وسطه، فوجئنا به والمسافة بيننا وبينه تتجاوز المائة متر ولم يجرؤ أحد أن يمد قدمه في قلب المسافة ولو بقدم، تراجعنا وجلين ببطء من المفاجأة، من الهمس الخائف حتى انصرف.
هل تتبدل الأحلام؟
أعود الآن لمامًا لنفس المركز أجد كل الناس تمد يدها في وكر السلطة، نعم كلهم يعّدون خلف أبنائهم، خلف مراكز تخريج الضباط ومن يتجرأ أكثر بقدمين يبحث عن مكان في سلك القضاء.
حلمت أن أصير كاتبًا، ولا أملك كلامًا لأقوله، شيء في الروح خاصة أنني لا أحب الحكمة ولا السلطة.
لا أحد يحلم أن يصير كاتبًا أو مغنيًا عندنا، بل اعتبروني مجنونًا وربما معتوهًا حين تركت الوظيفة الكبيرة التي يحلمون بها وصرت كاتبًا.
قال لي فسل منهم وهو يضحك بتهكم آلمني حتى اللحظة: أنا عارف أنك رحت للشعر.
باعتبار الشعر مكانًا للمخابيل والمجانين.
قالها كأنني أقوم بنزح برك الحمامات وبقايا فضلات الناس.
هل تتبدل الأحلام؟
نعم تتبدل وأحيانًا تبقى في منطقة بعيدة، تقسو عليها الظروف وأنت وحظك، الموهبة تحتاج لبعض الحظ كي تطير.
حلمت في وقت ما أن أصير مغنيًا.
لكن المغنون عندنا ليسوا سوى سقط متاع البشر، يسهر الناس حولهم لكنهم لا يعتبرونهم أبدًا وربما في الغالب لا يزوجون بناتهم لهم، أغلب المغنون من منطقتنا تزوجوا نساءً من بلاد بعيدة.
لم أسر خلف حلمي هذا، ثم أنني اكتشفت مع الوقت أنني بالكاد مؤدٍ، لكنني مؤدٍ جيد، لو أن "زياد رحباني" أطال قليلًا حين صادفته واستمع لي وأنا أغني أغانيه كان من الممكن أن تكون عندي فرصة جيدة، لكنه مرق سريعًا كعادته.
هل أحلم أم أتوهم؟
لا بد أن أعترف أنني حلمت أن أكون مطربًا في المرابع اللبنانية التي يتحول السهر فيها لقطعة من الجنة، حلمت أن أكون مع مطربي الثمانينات هناك "جورجيت صايغ" وصديقي "سامي كلارك" و"غسان صليبا" الذي كنت أشبهه في شبابي أو شبابه، أغني غناء الثمانينات المبهج، ما زالت هذه الأغاني مع فقرة زياد ومشروع "فيروز" هي ما يشدني إلى لحظة مبهجة استدعي لها بهجة "صباح" وأن مدينة كبيروت تشبه صباح أكثر ما تشبه "فيروز" أو "وديع الصافي".
على أي حال، تغير "غسان صليبا" وتغيرت أنا.
حين قلت لأبي أنني أريد أن أصبح صحفيًا، رفض بشدة رغم أنه كان يرى محمد حسنين هيكل أهم رجال زمانه، كانوا يذيعون مقاله الأسبوعي في الإذاعة ولم تجرؤ دجاجة في البيت أن تقاقيء أثناء إذاعته، فيما بعد قدّرت السبب، أنا مولود في محافظة ظلت تنعت بالنائية حتى خمس عشرة عامًا خلت، لم يكن هناك في المحافظة سوى صحفي واحد يكتب خبرًا من ثلاثة أسطر في الشهر، يدور مع أعضاء البرلمان وأعضاء المجلس الشعبي المحلي على الموائد الفاخرة، ببدلة صيفية واحدة أكل عليها الدهر وغنى، بدا كنموذج شائه ومن ثم تم وأد الحلم في بدايته، ولا يقل لي أحد أنني كان يجب أن أدافع عن حلمي، كان أمرًا صعبًا وسط بطريركية أبوية ومجتمع خائف لا يعتقد أبدًا أن أحدنا يمكن أن يصير مذيعًا، فالمذيعون في الراديو ثم التليفزيون آلهة، أما نحن فبالكاد بشر، لا يجب أن نقترف حلمًا أوسع من جلابيبنا التي كنا نذهب بها إلى المدرسة.
حين بلغت السابعة عشرة كتبت قصة عن جارنا الذي يمتطي حمارته و"أكلت بسببها علقة موت".
"أكلت العلقة" لكنني عرفت حلمي ساعتها، سمعت أبي خلسة يتحدث مع صديق له أنني كتبت حكاية ممتازة وأنه خائف من الكتب التي ستخرب عقلي، كانت مكتبة منظمة الشباب ومركزها تحت يد أبي، ولم يتسلل إليها أحد سواي وواحد آخر كان مولعًا بقراءة الروايات الرومانسية ل"محمد عبد الحليم عبد الله" و"أمين يوسف غراب" و"يوسف السباعي".
كبرت وعبرت، عملت في عدة وظائف، لكنني عملت صحفيًا وأنا فيها، اشتغلت بشراهة كأنني أعوض حلمي، ولم أنس أن أوسع لمن قصدني بابًا لتحقيق حلمه، حاولت أن أزود أهل قريتي بالكتب، كنت أتخيل أن صدور رواية لي أو ظهور اسمي في الصحف سوف يدفع الشباب لمحاولة تقليدي والسير على دربي، لكن ما من أحد، كلهم وأهلوهم يجرون وراء سوط السلطة وسطوتها.
لم أرث شيئًا على الأرجح من أهلي، نبت شيطاني مجنون بالكتب وكتابة الروايات ومولع بالحكايات، لكنني ورثت من جدتي لأمي شيئًا واحدًا هو الحلم بالأموات. مات لها ثلاثة أبناء قبل أن يصلوا الأربعين، ماتوا في ثلاث سنوات متعاقبة، كانت تجلس وسط الحمام تنادي عليهم، تكلمهم وتسألهم عن الغائب، لم يحضر لها في منام الأمس، ورثت عنها هذا. قلت لأمي التي خافت وغيرت اتجاه نومي من القبلة إلى الشرق حيث الموتى لا يأتون مع الشمس أبدًا، احلم بواحد فيموت خلال أيام، يستدعيني أحدهم من عز النوم لأقوم للصلاة عليه، صرت رجلًا بركة أكثر من المطلوب، دعوت أن تتغير أحلامي ثم قررت أن أغيرها وأحلم بشخوصي في الكتابة، أحلم بالحياة بدل أن أحلم بالموت، أنا كاتب وشخص يحب الحياة وبهجتها ثم أنني مغنٍ جيد ومبهج أيضًا وسأفعلها يومًا ما.
لا كتابة عندنا بالبهجة ولا غناء مبهج بالمقارنة بمساحات الهجر والشجن، ربما لأننا لا نعرف كيف نحلم جيدَا، وربما لأن واقعنا مرير، الخوف منه وفيه بالكاد يجعلنا نتعود على الكوابيس في الحياة وفي الفن.
نعم، الأحلام آخر ما يموت، حلمت أن أصير كاتبًا جيدًا وأظنني على الطريق. قال قريب لي لا يهم أن تكتب الصحف عنك ولا أن تطلع في التليفزيون ولا أن يحتفي الناس بكتابك، المهم أن تعمل لنا مسلسلًا في التلفزيون أو تحصل على جائزة الدولة التقديرية.
لم أفكر في جائزة الدولة التقديرية بعد أن هبط مستواها ، لكن وجدتني في لحظة أقبل بها، حيث أضمن على الأقل أن أحظى بجنازة جيدة، الجنازات الكبيرة عندنا للضباط ولأعضاء المجالس المحلية ، من دون التقديرية سيقولون كان مهبولًا وعقله مهفوف بالكتب، ثم فكرت لو حصلت عليها أن أحضر ثلاث فرق موسيقية لا واحدة، أذهب مع أكبر واحدة فيها وأقف أمام دار هذا السافل الذي سخر مني أنني ذهبت للشعر، أنادي عليه ليخرج لي أمام داره، أمد يدي لأراقصه ولو بالعصا ثم أشير له إلى الأعلى فيتبعني بنظره فأباغته بالقول: انظر جيدًا إلى عيني وتمعن وحين يبهت من الرد أقول له: هنا تقبع الأحلام.





























تعليقات