حوار - هزبر محمود: العراق بيئة قاسية على الشعر يحكمها قانون الانتخاب الطبيعي
- Seagulls Post Arabic

- 9 يوليو 2024
- 5 دقيقة قراءة

حوار - هزبر محمود: العراق بيئة قاسية على الشعر يحكمها قانون الانتخاب الطبيعي
هزبر محمود
● العراق بيئة قاسية على الشعر يحكمها قانون الانتخاب الطبيعي
● ليس هناك نقد موازٍ للحركة الشعريّة، والبقاء للأكثر إخلاصًا وموهبة
● في النهاية لن يكون في الصدارة إلا الشعر الذي وجد بصمته الخاصة
● تؤثر الجوائز سلبًا حين تدجّن الشاعر باتجاه غرض ونمط لا يبقيه حرًّا في الكتابة
حاورته هندة محمد - تونس

شاعر بارع في التّسلّل إلى خفايا الكلمات، أسرارها.. وتطويعها حسب مزاجه وأفكاره، اللّغة عنده بحر لا حدّ لعمقه وامتداده، فقصائده متينة البناء جسدًا وروحًا عصيّة على الاختراق والسّقوط. شاعر الحكمة وصيّاد المعاني بتميّز وتفرّد. وأنت تستمع إليه ستشمّ لا محالة ريح الرّافدين... عبق الأصالة.. بياض القُرى ودفء الأمّهات.. كلّها رسمت بصور فاقت حدود الدّهشة والإمتاع. هو ابن العراق، وبالتّحديد من مواليد مدينة ديالى، درس الهندسة في الموصل، وانتقل إليها منذ سنوات الشّباب الأولى، يكتب القصيدة العموديّة والتّفعيلة باقتدار. صدرت له خمس مجموعات شعريّة: "أثر على الماء"، و"تركتُ الباب رهوًا"، و"حبيب الشّمس"، و''أسطورة اللون'' و"وقوف على أطلال بحريّة".
نال العديد من الجوائز، أهمّها جائزة شاعر الحريّة التي أقامتها قناة الجزيرة سنة ٢٠١١م، وجائزة شاعر عكاظ في المملكة العربيّة السّعوديّة سنة ٢٠١٥م. هزبر محمود شاعر بحجم وطن.. حاورته "Seagulls Post Arabic" لنوغل معه في خفايا القصيدة وأسرارها..
- ما المراحل التي مرّ بها شاعرنا للوصول إلى هذه النّجوميّة.. أكانت الطّريق سهلة مُعبّدة.. أم وعِرة شائكة؟
ـ لا يمكن أن تكون الطريق يسيرةً في العراق، فالعراق بيئة قاسية على الشعر يحكمها قانون الانتخاب الطبيعي الذي لا يبقى ولا ينجب فيه إلا الأقوى، على عكس ما يشاع أنّه بيئة صانعة للشعر. مع عدم الإنكار أن بيئة كهذه تجعلك تنطلق ونصب عينيك منافسة الأقوى وكتابة الاستثنائي، أو الاستسلام والاكتفاء بالمراقبة؛ لذلك كانت الرحلة قاسية، ومرّت على حساب الكثير من جوانب الحياة التي أفلتُّها من أجل الإبقاء على تفاحة الشعر. جوانب كثيرة لو أردت حسابها لطال القول كثيرًا.
رسالة القلم
- ما الذي يُمكن أن يستفزّ قلمك ويحمله إلى القصيدة؟
أكثر ما يستفز قلمي مولد رسالة أريد إيصالها لشخص أو لمجتمع، بصرف النظر عن مضمون الرسالة الذي قد يكون غزلًا أو شكرًا أو توضيحًا أو رفضًا، وبصرف النظر عن الشخص الذي يختلف - بالطبع - بحسب الغرض، ولا يُستثنى من ذلك مولد رسالة بناءً على دعوة إلى منصة أمامها جمهور في بلاد ما ينتظر السماع.
- قلت مرّة إنّك لم تكن تقصد أن تكون شاعرًا.. وإنّك درست العروض والنّحو بكلّ الحبّ ولغاية معرفيّة، برأيك هل كلّ ما يُكتب من نصوص اليوم هو بدافع المحبّة والشّغف، أم أنّ أغلبها مجرّد صناعة لغاية الشّهرة؟
عصرنا برأيي لا يختلف عن العصور السابقة شعريًّا، العصور التي نعتقد أنّها ذهبيّة وأن ما كان يُكتب فيها جميعه بدافع المحبة المحضة، لكن في النهاية لن يكون في الصدارة إلا الشعر الذي وجد بصمته الخاصة وحمل الإخلاص للكلمة، فاكتمل تجربة ورسخ سموًا، بينما يزول أو يحتل الرفوف فقط المكرر الذي لم يجد فيه الشاعر ذاته فكان مجرد نسخة مكررة من ذوات غيره.

- "الشّعر يولد في العراق...فكن عراقيّا لتصبح شاعرًا يا صاحبي.." هذا ما قاله محمود درويش في قصيدته "أتذكّر السيّاب".. فهل ترى أن للشعراء العراقيّين النصيب الأكبر من القصيدة الحقيقيّة؟
في العراق يكبر الناس على الشعر، منذ الوعي الأول تجد نفسك محاطًا بمَن يردّدون الشعر، صحيح أن معظمه من الشعر الشعبيّ، ولكنها تبقى في النهاية دعوةً إلى الوزن واللحن، فتصقل الشعريّة بمن امتلكها على الفطرة. بمعنى أن مَن جاء حاملًا بذرة الشعر في العراق يجد السقاية جاهزةً، ولكن لن يستطيع بسهولة أن يكون بين الأشجار الأعلى لكثرة البذور وجودتها، وبالتالي حين تتطاول أشجار العراق فيما بينها فهي على الأغلب تكون الأعلى بالمطلق، إلا مع الأشجار التي وضعت شعريًّا العراق أو التأريخ نصب عينيها، فهذه من الممكن أن تتفوق.
-مجموعات كثيرة توجّهت إلى كتابة قصيدة النّثر.. هل تَعدّ ذلك تراجُعًا أم إثراء للقصيدة؟
حسب ملاحظتي للمشهد الذي أنا جزء منْه أن الشاعر العراقي الذي وجد نفسه في الموزون لا يغادره إلى النثر، والعكس صحيح. وطالما أن المشهد مزدحم في كلّ الأغراض، فلم نجد نقصًا في الموزون على حساب النثر، ولا العكس. فأعتقد أن مولد أي شاعر في أي غرض أو تحوله يعد رفدًا للشعر العراقي والعربي.
-العراق يعجّ بالشّعراء، حيثُ يقام هناك تقريبا في كلّ محافظة مهرجان شعريّ.. هل هناك مدارس نقديّة موازية للحركات الشّعريّة لتفصل الغثّ عن السّمين...؟
أبدًا! ليس هناك نقد موازٍ للحركة الشعريّة الضاجّة في العراق، بل كما قلت لك في إجابة عن سؤال سابق: إن الظهور الشعري في العراق يخضع لقانون الطبيعة في الانتخاب الطبيعي والبقاء للأكثر إخلاصًا وموهبة. النقد كائن معقّد، يجب أن يجمع الكثير من الصفات ليكون لوجوده معنى، فهو يحتاج أن يحمل: الموهبة، والعلميّة، والمتابعة، والقرب من المشهد، والإنصاف، والحرص، وهي كم ضخم من الصفات التي يصعب توافرها في إنسان العصر الحاضر.
-هل أنت راض عن القصيدة النّخبويّة التي تكتبها؟ أليس من الضّروريّ أن تقترب أكثر من هموم العامّة وتطلّعاتهم؟
هذه واحدة من أعقد الخوارزميات في الشعر، وهي الجمع بين النخبة والعوام. فالطبيعي أنك - لتنافس شعراء عصرك - يجب أن تبتكر تقنيات كتابة حديثة، وهذه بالنتيجة تجعلك تبتعد عن الجمهور البسيط الذي اكتفى بتداول الأبيات التي يأبى الشاعر الحقيقي أن يكتبها حتى ارتجالًا، أما إذا كنت تعنين بالقصيدة التي يتداولها الناس فلا أعتقد أنهم يتداولون غالبًا القصيدة القريبة من همومهم بل القصائد التي أوصلها لهم الإعلام بمختلف وسائله، وزرعها في ذواكرهم. ويبقى رأيي هذا لا ينطبق على جميع المشهور طبعًا، لكن في النهاية يبقى الشاعر لا يستطيع التضحية بالنخبة الذين كانوا معه على سلم التطور حتى بلغوا الفهم لما وراء الكلمة، من أجل أن يحاول كسب الجمهور الذي لم يتعب نفسه في الخوض في أبسط مسببات لذّة الشعر.
- طوال مسيرتك الأدبيّة.. هل وجّهت لك انتقادات.. وإن وجدت كيف تعاطيت معها؟
بالطبع تعرضت للكثير منها، وبلا شكّ أتعاطى معها بحسب معرفتي بالغرض، منها حيث هناك التي غيّرتُ حتى أدوات كتابتي وحذفت قصائد بناءً على آراء أصحابها؛ لعلمي أنها ناصحة تسعى إلى أمر ترى أنه يضيف ويحسن من تجربتي. وهناك التي تجاهلتها. وهناك التي رددت عليها شعرًا أو نثرًا ومنها قولي:
بدربٍ بين قافيةٍ وبحرِ
مشى شرفُ الأوائل نحو شعري
وسلسلةٌ من الذهب انتقتني
كمالًا بعد أحمدَ والمعرّي
فأضحكني - أنا بدرُ الأغاني -
وقوفُ النايِ ليلًا عند غيري
وأجملُ ما سمعتُ من التَّجني
مقالُ الناس: أشعرُ من هزَبْرِ!!
وبالطبع ظاهرها الغرور، لكن الحقيقة هي كانت ردًّا في عنف على غيبة تعرضتُ لها من مغرض.
عن المرأة
-المرأة حاضرة وبقوّة.. تكتبها بكلِّ تجلّياتها وتداعياتها.. من هي المرأة التي استطاعت أن تترك أثرًا كبيرًا فيك؟
المرأة هي مركز الشعر كله عندي، تغيب ولا تتأخر وتحضر فتستمر، لا أريد أن أعترف اعترافات كبيرة في هذا الأمر، ولكن المرأة التي تركت أثرها عليّ هي التي استطاعت أن تغيّر إيقاع السنين الرتيب في عمري، وأتلفت الدفّة الوحيدة التي كنت أستخدمها في مساري الذي كنت أظنّ اتجاهه أبديًّا، ثم ذهبت وكأنّها لم ترتكب ولو جنحةً بسيطة.
- حصلت على جوائز مهمّة، كيف ترى تأثيرها إيجابًا وسلبًا؟
إيجابًا: تجعل الجوائز الشاعر حاضر القلم، يشعر أن ما يفعله ينتظره الإعلام، والأهم في حالة الفوز يجعلك تشعر أنك نلت مكافأة ولو صغيرة على ما أنجزت خدمةً للحرف والعاطفة. أما سلبًا فتؤثر الجوائز بأنها تدجّن الشاعر باتجاه المسابقة غرضًا ونمطًا بحيث لا يبقى حرًّا في الكتابة، والأكثر سلبيةً أنها تسبب لبعض الشعراء إحباطًا لمَن ليس لديه ثقة بمنجزه عند عدم الفوز. ففي النهاية لا يفوز في أي مسابقة سوى عدد قليل ويغادرها الكثيرون، لذلك أنصح الشعراء ألا يفهموا المسابقة سوى أنها فوز في حالة الفوز، وعدم خسارة في حالة ألا تكون الجائزة من نصيبهم.

ـ كتبت عن بغداد.. فهل استطاعت القصيدة العراقيّة أن تُترجم لنا صوت هذه المدينة العظيمة، وتكتب حكاياتها بما يليق؟
لا بغداد ولا أي مدينة عريقة استطاع الشعر منحها الأفق الكافي أو حقها من الوصف والسرد، المدن يا سيدتي تصحو كلّ يوم على تفاصيل من الجمال البسيط والجمال العظيم، وبغداد لا يكفيها أن أتفرغ لها ويتفرغ معي ألف شاعر للكتابة عنها كل يوم وطوال النهار مجدًا وحبًّا وناسًا وشوارع، أنا فقط حاولت أن أصف مكان قلبي حين تكلمت وحتى ذاك لم أستطعه.
- أغلب الشّعراء هم أبناء القرى التي ولدوا فيها، حدّثنا عن قريتك وما تركته من أثر في نفسك وقصيدتك؟
ولدتُ في قريةٍ اسمها كشكول التي حين يئست من بقائي بها غادرت معي إلى المدينة فظلت تضيف إلى قلبي جديدًا مع كلّ وعيٍ مني ومع كل لبنةٍ تضاف أو تهدم بها، ظلت تظهر في شعري ولهجتي العراقية الغريبة بشكل لا يفهمه إلا مَن أقام بقرية عراقية، للقرى العراقية تأثير يجب أن يعوضه الذين حرموا من التواجد بها بقراءة الكثير من الكتب، وربما لن يقدروا.





























تعليقات