تطور الشعر العربي في ولاية كيرالا - Kerala - د. محمد صلاح الدين الأيوبي- الهند
- Seagulls Post Arabic

- قبل 3 ساعات
- 6 دقيقة قراءة

تطور الشعر العربي في ولاية كيرالا - Kerala
د. محمد صلاح الدين الأيوبي- الهند
"كيرالا" منطقة ساحلية جنوبية في قارة الهند. صارت هذه المنطقة ولاية مستقلة جديدة منذ العام 1956م. حسب قرار البرلمان الهندى لتقسيم الولايات وفق اللغات المحلية. وكانت منطقتها الشمالية قبل ذلك مدمجة في ولاية مدراس (Madras) المشهورة الآن باسم "تاملنادو" والمنطقتان الوسطى والجنوبية كانتا تحت قيادة مملكة تيروويدامكور (Thiruvidamkoor) وكوشن (Kochi). فصارت المنطقة التي يتكلم أهلها لغة "مليالم" ولاية جديدة باسم "كيرالا".
كانت هذه المنطقة تعرف تاريخيا بعدد من الأسماء منها: "مَلَيْ" و"مَلَبَارْ" و"مَلَنَادْ" وغيرها. من بين الروايات المختلفة حول تسمية المنطقة بكيرالا، تشير إحداها إلى أن العرب أطلقوا عليها هذا الاسم بناءً على ثرواتها الطبيعية، حيث عبّروا عنها بـ"خير الله" ثم تحولت الكلمة على مرور الزمن إلى "كيرالا".
أطلق العرب على بلاد "كيرالا" اسم "ملبار"، وهي أول بقعة أشرقت بنور الإسلام وأول منطقة حكمها المسلمون من بقاع شبه القارة الهندية، وكانت أولى الأسر الحاكمة المسلمة في المنطقة هي أسرة علي راجا. وفقاً للوثائق الأثرية والروايات التاريخية، يعود انتشار الإسلام في "ملبار" إلى زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تشير معظم المصادر إلى أن الشعر العربي بدأ يظهر في ولاية "كيرالا" في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وقد لعبت التطورات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية دورًا كبيرًا في نمو الحركة الشعرية العربية في المنطقة. في البداية، كان الشعر العربي في "كيرالا" مرتبطًا بالأمور الدينية التي كان من الضروري حفظها، كما كان الحال في ثقافات أخرى مثل اليونان والهند. بدأ الشعر العربي بشكل مقاطع قصيرة، ثم تطور إلى أبيات، فقصائد كاملة، استجابة للحاجات الدينية والاجتماعية التي فرضتها الظروف في تلك الحقبة. الكثير من هذه الأشعار لم يتم الحفاظ عليها بسبب عدم توثيقها بالكتابة في بداياتها، مما أدى إلى ضياع العديد منها عبر الأجيال، إلا أن أول قصيدة معروفة يتم توثيقها في تاريخ الشعر العربي في "كيرالا" هي تخميس البردة للبوصيري، التي نظمها القاضي أبو بكر بن رمضان الشالياتي، الذي توفي في عام 1490م. وقد اشتُهر القاضي الشالياتي بكتاباته الشعرية الأخرى أيضًا، مثل تخميسه لقصيدة "بانت سعاد" الشهيرة.
وقد تتلمذ على يد القاضي الشالياتي الشيخ زين الدين بن علي المعبري، الذي توفي في عام 1522م، وترك إرثًا كبيرًا من المؤلفات الشعرية والنثرية. من أبرز قصائده "هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء"، الذي ناقش فيه الطرق الروحية والفكرية للمرشدين الصوفيين، وكذلك دعا من خلال شعره إلى مقاومة الاحتلال البرتغالي في "كيرالا" في القرن السادس عشر، مؤكدًا على أهمية حماية الدين والأرض، مما يعكس الوعي الديني والسياسي للشيخ وروحه الوطنية في مواجهة الاستعمار الأجنبي.
يعتبر القاضي الشالياتي والشيخ زين الدين بن علي المعبري من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الشعر العربي في "كيرالا"، حيث يمثلان الجيل الأول من الشعراء الذين بدؤوا في كتابة الشعر العربي في المنطقة. هذا الجيل لم يكن له تاريخ شعري سابق قبل ظهورهما، ما يجعل أعمالهما حجر الأساس للشعر العربي في "كيرالا"، الذي تطور لاحقًا ليصبح جزءًا أساسيًا من الثقافة المحلية في المنطقة.
يمكن تقسيم الشعراء إلى ثلاثة أجيال بناءً على الفترة الزمنية التي عاشوا فيها، حيث تختلف بيئة كل جيل عن الآخر. أولاً، الشعراء الأوائل الذين عاشوا في الفترة من بداية ظهور الشعر العربي في "كيرالا" حتى استقلال الهند عام 1947م، بعد حركة النضال من أجل الاستقلال. ثانياً، الشعراء المخضـرمون الذين عاشوا فترة ما قبل الاستقلال واستمروا في العيش حتى شهدوا تطور البلد بعد الاستقلال وقيام الدولة المستقلة. ثالثاً، الشعراء الشبان الذين جاؤوا بعد المخضـرمين، ونشأوا في ظل النعمة الديمقراطية والظروف الجديدة التي تلت الاستقلال.
الجيل الأول:
هم رواد الشعر العربي في "كيرالا". كان الجيل الأول من الشعراء الذين يعيشون ما بين مبدأ الشعر العربي وبين استقلال الهند في عام 1947م. تلقى هذا الجيل تعليما دينيا تقليديا من الكتاتيب والدروس المسجدية، حيث إنهم تعلموا مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم والحديث النبوي الشـريف والفقه الإسلامي وعلوم الشريعة. قرض شعراء هذا الجيل أشعارهم من العاطفة الدينية والمدائح النبوية لرغبتهم في الدين ومحبتهم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولإبعاد المسلمين عن الأخلاق الذميمة وحثهم نحو الأعمال الصالحة. هذا هو شأن جميع الشعراء في ذلك العصـر.
ونرى في الشعراء الأوائل أنهم اتجهوا نحو المضامين القومية وشعر المقاومة، وكتبوا في هذا المضمون شعرا كثيرا، وذلك لأنهم كانوا على صلة بالأحداث التي كانت تجري في الولاية حينئذ، وكانوا يدركون انتماءهم إلى الأمة الإسلامية. وخير شاهد على هذه النزعة القومية، حينما احتل البرتغال بلاد "مليبار" وعاثوا فيها الفساد وقتلوا المسلمين بغير حق، بذل شعراء هذا الجيل كلَّ ما في وسعهم من الجهد لطرد المحتلين وإجلائهم عن أرض الوطن، فأنشأوا أشعارا كثيرة وكبيرة ومطوَّلة ضد المحتلين وجرائمهم، تدعو للوقوف ضد المحتل وطردهم من بلاد "مليبار"، لهذا الغرض أنشأ شيخ الإسلام زين الدين المخدوم المليباري، والقاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي قصائد تدعو لانتفاضة شعبية ضد المحتلين المعتدين، كقصيدة
"الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين" للقاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي.

الجيل الثاني – الشعراء المخضرمون
عاش هذا الجيل فترتي قبل الاستقلال وبعده، حيث إنه تربى في الفترة التي كان يعاني فيها الهنود شظف العيش وضيق الدكتاتورية البريطانية، وامتد بهم الزمن إلى أن شاهدوا استقلال بلدهم، وسافروا إلى البلاد المختلفة العربية وغير العربية وتعرفوا على التيارات الأدبية الحديثة.
تتنوع الأساليب التي استخدمها شعراء هذا الجيل في أشعارهم مع تمسكهم بالمضامين التقليدية، ونظموا الشعر على البحور الخليلية والنسق العربي الأصيل. ولم ينس الشعراء المخضـرمون المضامين القومية؛ حيث إنهم عاشوا في فترة مليئة بأسخن الأحداث السياسية في الولاية؛ ثورة ونكبات ومآس تمر على بلادهم. يقول الشاعر الكبير محمد فلكي قصيدة في ثورة "مليبار" الواقعة سنة 1921م - التي دمرت المسلمين ماديا وروحيا - تحتوي على 50 بيتا، يقول في مطلعها:
سبحان ربي جاعل الشهداء في رتبة أعلى من الجوزاء
الجيل الثالث
هم الشعراء الشبان الذين جاؤوا بعد المخضـرمين وتربي هذا الجيل في ظل نعمة الحرية والديموقراطية والظروف المستجدة، وتمكنوا من التعرف على الثقافة العربية والغربية، حيث أكمل بعضهم دراساتهم العليا بالجامعات العربية والإسلامية كجامعة الأزهر الشريف، وجامعة أم القرى وجامعة قطر وجامعة كويت والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وغيرها، كحسن باوا محمد الثقافي وسعيد الفاروقي وضياء الدين الفيضي وغيرهم. وظهر بين بعض شعراء هذا الجيل شعر التفعيلة وقصيدة النثر، كما أن كثيرا من الشعراء الشبان ما زالوا ينظمون قصائدهم على البحور الخليلية.
الشعر الديني في هذا الجيل نجده عند عدد من العلماء والمعلمين الذين قرضوا الشعر بهدف نشـر الثقافة الإسلامية وتعاليمها الأساسية، واشتهر من بينهم أنور عبد الله الفضفري وعبد البصير الثقافي، وهما شاعران ومعلمان فقيهان قضيا حياتهما في سلك التعليم والتدريس، والسعي نحو الإصلاح والخير، وتلوَّن شعرهما بتوجيهات أخلاقية دينية حيث كثرت في شعرهما المصطلحات الدينية والفقهية والسلوكية الأخلاقية.

تشكل الجيل الثالث مساره الشعري منسجما مع إمكانات عصره، واتخذ سلوكا خاصا بنشر إبداعاتهم الشعرية، يختلف عمن سبقهم من الشعراء، فقد كان الأجيال الأولى مترددة كثيرا في النشر، ولم يكن هناك مجلات وصحف لنشـر أشعارهم رغم أهميتها، فضاعت أشعارهم دون جمعها وتقييدها ليطلع عليها الآخرون. أما الجيل الجديد فقد اتجه إلى اتباع سياسة النشـر من خلال دفع إنتاجهم إلى المطبعة، فنشـرت بعض الدواوين، وأُرْسِلَتْ الأشعار إلى المجلات والدوريات واليوميات العربية في بلاد الهند وخارجها، كل واحد منهم يبحث عن طريقه بجهد ذاتي.
المدح والرثاء والحنين إلى الوطن والوصف، كانت ولا تزال من الموضوعات الشائعة في الشعر العربي في ولاية "كيرالا". إذ يعتبر الشعر العربي في هذه المنطقة وسيلة قوية للتعبير عن مشاعر متنوعة تتراوح بين الفرح والحزن، حيث كانت القصائد تُستخدم لتعزيز روابط الأفراد وتبادل المشاعر الإنسانية في ظل واقع اجتماعي وديني وثقافي خاص. ومن بين هذه المواضيع، كان المدح يُستخدم بشكل كبير لتكريم العلماء والأمراء الذين يفدون إلى المنطقة من داخل الهند وخارجها، وكان يتمثل في الإشادة بمزاياهم وفضائلهم، سواء كانت هذه الزيارة رسمية أو اجتماعية.
أما الرثاء، فقد كان وما زال أحد أكثر الأغراض الشعرية شيوعاً في الشعر العربي في "كيرالا"، وهو يشهد شهرة عميقة بين العلماء والعوام على حد سواء. وقد تجسد هذا في كثير من الأحيان في رثاء العلماء الذين فارقوا الحياة، إذ كانت وفاة هؤلاء بمثابة دافع قوي للشعراء لكتابة قصائد تعبر عن مشاعر الحزن العميق وتستذكر مناقب الفقيد وأثره في المجتمع. ولقد كانت القصائد الرثائية تُرسل إلى الأهل والأصدقاء للتخفيف عنهم ومواساتهم في مصابهم الجلل.
الرثاء يعد من أقدم المواضيع في الشعر العربي في "كيرالا"، ولقد كان له تأثير بالغ كما هو الحال في الشعر العربي القديم، فقد عكست القصائد الرثائية مشاعر الحزن والفقدان بشكل عميق، وأسهمت في إبراز التقدير الكبير للعلماء والمثقفين في المجتمع. وفي سياق المراسلات الشعرية، كان الأدباء والعلماء في ولاية "كيرالا" يتبادلون القصائد المتقنة في العديد من المواضيع، وكانوا يفضلون الشعر المقفى كأسلوب مميز في تبادل الأفكار والمشاعر. تلك المراسلات لم تكن مجرد تبادل للأخبار، بل كانت أيضاً فرصة للاستمتاع بالجمال الأدبي وتقدير قيمة اللغة والشعر.
ومن جهة أخرى، كان الهجاء أقل الأغراض الشعرية انتشاراً في "كيرالا"، حيث لم يكن الشعراء يميلون إلى استخدام هذا الفن كثيراً، بل كان التركيز على الأغراض التي تعزز الروابط الاجتماعية أو تعبر عن الحزن والألم أو المدح والتقدير.
ومع تطور الشعر العربي في ولاية "كيرالا" على مر الزمن، استطاع الشعراء الحفاظ على الأشكال التقليدية مع إدخال عناصر جديدة تتناسب مع التغيرات الثقافية والاجتماعية. إلا أن الشعر العربي في "كيرالا" كان يواجه بعض التحديات التي تحول دون تطويره وانتشاره بشكل أوسع، وأبرزها قلة وسائل النشر وصعوبة الوصول إلى الجمهور الأوسع. فالمنشورات العربية نادرة للغاية في المنطقة، ولا توجد مجلات أو صحف محلية تُعنى بنشر الأشعار العربية بشكل منتظم. غالباً ما يكتب الشاعر قصيدته بدافع وجداني، إما لإرضاء نفسه أو لمجتمعه المحلي، فتظل تلك الأشعار محصورة في نطاق ضيق ولا تعرفها سوى قلة قليلة. نتيجة لذلك، ضاعت الكثير من القصائد دون أن يتم حفظها ونشرها كتوثيق لهذا الفن الأدبي المميز الذي يعكس واقع المجتمع في ولاية "كيرالا".
في الختام، رغم التحديات التي تواجه الشعر العربي في "كيرالا"، إلا أنه لا يزال يشكل جزءاً مهماً من هوية وثقافة المنطقة، ويستمر الشعراء في محاولة الحفاظ عليه وتطويره بما يتماشى مع العصر دون أن يفقد أصالته وجماله.

























تعليقات