الشاعر السوري هاني نديم: سيظلّ للشعر سحره وتأثيره إلى يوم يبعثون، والشاعر أصدق من الصحافيّ
- Seagulls Post Arabic

- قبل 41 دقيقة
- 6 دقيقة قراءة

حـــــــوار

الشاعر السوري هاني نديم: سيظلّ للشعر سحره وتأثيره إلى يوم يبعثون، والشاعر أصدق من الصحافيّ...
حوار: أحمد الصويري - السويد
لا يكاد ينهي جملةً يقولها، إلّا وقد فتح بها أبوابًا لأسئلة كثيرة تتراءى من وراء تعابيره الّتي لا تأتي إلّا متونًا، قطعنا مسافات وبلادًا في أكثر من مناسبة كي نحظى بسويعات قليلات تحدّثنا فيها عن كلّ شيء، الأدب واللّغة والشعر والصحافة، والأصدقاء، والبلاد، والنساء.. كان كلّما قال عبارةً ينفخ فيها من روحه "فإذا بها حيّة تسعى".
يندر أن تجد مَن لا يختلف اثنان على ثقافته وسعة صدره ورِقّة طبعه، وقبل كلّ ذلك قلبه العامر بحبّ الجميع، لم يعتب عليه شبرٌ من بلاد الاغتراب والسفر، ولم يسافر وحيدًا قَطُّ، بل كان على الدوام حاملًا معه البلاد والشّعر والأصدقاء وخفّة الظلّ الّتي تميّز بها، وأنا أفكّر كيف أضع مقدّمةً لهذا الحوار وجدت الحديث عنه أعصى من قصيدة مناسبةٍ وطنيّة تكلّفك بكتابتها جهة رسميّة، فكلّ ما يمكن أن أصفه به سيبقى أقلّ بكثير من أن يختصره..
هاني نديم، رجُلٌ لا يُختصَر بالكلمات، وخالٌ أشقر على خدّ قصيدةٍ سمراء.. يطلّ علينا اليوم في هذا الحوار العفويّ الرشيق والخاصّ لهذا العدد من (بريد النوارس)..
على الصحافة ألّا تفسد الأدب
أين يلتقي عندك الشاعر بالصحفي؟ وأين يفترقان؟
هنالك مناكفات واحتجاجات كثيرة على الجمع بين الصحافة والأدب، الصحافيون الأكاديميون ينظرون بعين السخط للأدباء الذين دخلوا من باب (الألاعيب اللغوية) إلى الصحافة الرصينة، والأدباء يرون أن الصحافي فقير خيال ولغة. ثمة فرق طفيف بين الفنين وثمة خلطٌ هائل. بالنسبة لي أقول ما كتبته في كتابي معجم الصحافة الناقص في هذا الاتجاه: "على الصحافة ألّا تفسد الأدب فينا، وعلى الأدب كذلك ألّا يأخذ حيّز الصحافة التطبيقي، بمعنى: "أن يكون الواحد منا صحافياً عند العمل على قصته، أديباً عند كتابتها وتفريغها من معلومات الميدان". وأعتقد أن كبار الصحفيين من الأدباء فهموا ذلك وطبقوه تماماً.
هل ترى أن العمل الصحفي يحدّ من حرية الشاعر أم يوسع أفقه؟
يوّسع أفقه بكل تأكيد، إن تجربة الشاعر دون تحرّك وانتقال بين البلاد والفنون والقطاعات الصحفية والمواضيع، تظل محشورة بوعاء اللغة، ولا أظنه يكفي للقصيدة العظيمة، بل لعل معظم مشاكل شعرائنا تتلخص بأن نبعهم هو اللغة وحدها على حساب اتساع التجربة وتجريب "السبع كارات". الصحافة ثراء بكل معنى الكلمة على أنها تأخذ الكثير من الوقت والطاقة.
علو كعب المجاز يرهق قماشة
كيف تتعامل مع اللغة في النص الشعري مقارنة باللغة في المادة الصحفية؟
أتعرف؟ هذا سؤال لم أسأله لنفسي يوماً، لعل الصحافة لدي أجبرت اللغة المتعالية في شعري أن تخضع لشروط القارئ العادي، وهذا ليس عيباً على الإطلاق، أنا أحب أن أكون مفهوماً للجميع دون أي ثوب خيلاء لغوي، كتبت يوماً: "علو كعب المجاز يرهق قماشة اللغة وقد يخدشها أحياناً كثيرةً، أحب أولئك المتخفّفين منه رغم أنه يتلامع في خزانتهم اللغوية. أحب الطرح الذي لا تزدريه النخبة ولا تعجز عن إدراكه العامة. في البدايات من كل شيء، نولع بالكمال اللغوي، بالرطانات والبلاغات والمجازات والكتب المذهّبة والشعر الجاهلي والسفسطائيات الجمالية والألفاظ المعجمية والمستهجنة، ونحب الشروح والهوامش وخلافه.. ثم نتحرّر من تلك السطوة والهيبة الزائفة ونغرم بالتورية الرهيفة واللفظ الذي لا يطأ مساحات موحشة.. كذلك في كل نواحي الحياة، الملابس، الناس، الأفلام، الأغاني..
هل تشعر أن سرعة الإيقاع الإعلامي تؤثر في عمق تجربتك الشعرية؟
أعامل الصحافة بمعزل عن الشعر في التعاطي اليومي، أنا مقلّ في إصدار دواوين شعرية، لخوفي من الشعر، لكن أنشر في نهاية الأمر إذ أنني سأندم على أية حال، أعتقد أن تدافع الإعلام و"لهوجته" قد أثّر على "كمية" الإنتاج، ولكنه أثرى "الكيف"، كيف كنت سأكتب عن روما دون زيارتها، أو عن مصارعة الثيران دون دراية بتفاصيلها الدقيقة من موسيقا إلى أزياء إلى قيم اللعبة؟
ما الذي علمتك إياه الصحافة عن الإنسان ولم تكن لتدركه بالشعر؟
الشعر طوباوي والصحافة واقعية، ثمة نظرية يلقنونها الصحافي الاستقصائي تقول: "إن قالت لك أمّك أنها تحبّك، لا تصدّق ما لم يكن لديك ما يثبت ذلك!!"، يأخذك الشعر من يدك إلى آفاق محتملة، أو احتمالات مستحيلة، إلا أن الصحافة تعيدك من ياقة قميصك إلى الواقع بعجره وبجره، وما على لغة الشاعر سوى وصفه ببلاغة.

في زمن الضجيج الإعلامي، هل ما زال للشعر سلطة أو تأثير؟
سيظل للشعر سحره وتأثيره إلى يوم يبعثون، ولا أقول هذا لأني شاعر أبداً، بل لأنني خبرت كل أنواع الكتابة ومخرجاتها، ثمة سحرٌ ما ورائي في الشعر الحقيقي، صوت إله بعيد في السطور. هذا لا يتسنى للرواية والمسرح وغيره..
الأصدقاء كالشعر
v من ضمن إصداراتك (قصائد الأصدقاء) وكذلك (معجم الصحافة)، لسؤالي هنا شقّان، هل ما زلت تعوّل على وجود أصدقاء؟ وكيف يمكن للصداقة أن تستمر لسنوات؟ وبالنسبة لمعجم الصحافة، هل ترى أن هناك من قد يستفيد منه والعالم يتجه نحو ثقافة "الترند"؟
الأصدقاء كالشعر، نادرون إلا أنهم حولنا، لست كارثياً باتجاه فكرة الصديق، لا يجب أن نطلب منه أن يكون "سوبرمان" و"مولينكس ومناديل كلينكس" والخلّ الوفي! أحب تلك المسافة التي تبقي الصديق صديقا غير مرهق باستحقاقات المثالية المبالغ بها.
فيما يتعلق بكتابي معجم الصحافة فهو وجبة أظنها دسمة لمن أراد دخول هذا المعترك من غير المؤهلين أكاديمياً، فالإعلام اتسع وتداخلت معه تخصصات أخرى مجاورة، ماذا يجب أن يفعل من أتى من قطاعات مجاورة؟ أعتقد أنني قدمت له وجبة لا بأس بها. ولا أعرف حقاً ما إن كان سيستفيد منه الناس. ولكن لا أستطيع بعد هذا العمر وتلك التجربة أن ألهث وراء الترند.. أي ترند.
هل تنظر إلى القصيدة كفعل مقاومة أم كمساحة تأمل؟ وإن كانت فعل مقاومة فماذا تقاوم بها؟
هي فعل مقاوم على الدوام، أنزيمات دفاعية ضد القبح والخذلان والحروب والطائفية والكراهية وغير هذا من البشاعات. ثمة من يفتح منها نافذة للتأمل قد أفعل هذا مرات، ولكن حقاً أحبها بنزقها وترابها الأول، لا أحب القصيدة الكاملة التي تطّل من الأعلى على الخلائق والعلائق.
نصوص هائلة في عصر سيّئ
كيف تقرأ علاقة الشعر العربي اليوم بالتحولات السياسية والاجتماعية؟
أؤكد من وجهة نظر شخصية لا ألزم بها أحدا أننا في عصرٍ فيه شعراء كبار وخاصون جداً إلا أنهم في زمن غير واعٍ، ولأن "المعاصرة حجاب" سيعرفون لاحقاً ويأخذون حقوقهم متأخرة.
لقد عاصر الشعراء واحداً من أسوأ العصور بسبب الحروب والهجرات والشتات وغيرها وهي مادة ثمينة للشعر وملهمة للكتابات العظيمة، بينما الرخاء والازدهار يفرز الشعر البلاغي الموشّى باللغة وحسب. اقرأ نصوص الحرب في اليمن وسوريا والعراق لتتأكد بنفسك ما أعنيه من نصوص هائلة وشعراء رائعين.
ما الذي يدهشك بعد كل هذا الزمن من الكتابة؟
مع ملايين الاحتمالات لجملٍ تسبح في الهيولى وما زالت لم تقل، كل يوم هنالك ما يدهشني، جمل تقولها صبية في العشرين، وشاعر في الخمسين ورجل في الشارع لم يقرأ كتاباً.. سمعت بيت عتابا من بدوي ذات مرة يقول: "ولو كل إنسان نال ما تمنّى.. الجواهر كانت بسعر التراب".. هذا ما يدهشني.
الشاعر أصدق من الصحافيّ
هل يمكن أن يكتب الصحفي نصًا صادقًا بقدر ما يكتب الشاعر؟
ربما سؤالك الرائع هذا يبرر مسار الشعراء العظام الذين يؤصلون مبالغاتهم على أنها حقائق أكيدة لا لبس فيها. ولكن دعني أجيبك، رغم أن الصحافة العظيمة عي صحافة مبنية على الحقائق، إلا أن كذبها فادح ومتصل. فهي منحازة على الدوام، بينما الشعر العظيم كلما زاد خياله وتحليقه عن الحقيقة التي يعرفها الجميع ازدادت قيمته. ورغم هذا، الشاعر أصدق قطعاً من الصحافي.
إلى أي مدى تشعر أن النقد العربي موجود؟
يالصياغة هذا السؤال الذي يشي بأن النقد غير موجود.. نعم إنه كذلك، النقد العربي غبش وغير واضح المعالم ويتحرك إما في مسار الإخوانيات أو مسار التصفية الأدبية، أو أنه انطباعي ومن مدارس قديمة للغاية. ما خلا بعض الأسماء الموقرة، لا يوجد حركة نقد حقيقية تواكب ما يكتب.
ما هو النجاح في الشعر؟ وما هو في الصحافة؟
النجاح في الأمرين هو الأصالة التي من شأنها خلق الفرادة، إن جوهر التجربة الشخصية في الشعر، هو جوهر التجربة الشخصية في الصحافة. المعجم الخاص لا العام، الاهتمام الذاتي لا الترند، وهكذا..
الصّحافة مثل القمار
لو تركت الصحافة يومًا، هل سيبقى الشعر هو ملاذك الأخير؟
أخشى من التفكير في هذا الأمر، الصحافة اللعينة سوسة مثل القمار تماماً، لا أتمنى أن أفقد حسّي الصحافي أبداً أو أملّ منه. إنما الشعر سيظل المقدم والمؤخر والمبتدأ والخبر.
"زومبي" الكلام
في زحمة الذكاء الاصطناعي الذي بات كثيرون يعتمدون عليه في البحث والتحليل وربما حتى في كتابة الشعر والمادة الصحفية، كيف تحمي إنسانيتك من هذا الوحش؟
بعد وسائل التواصل ضاق المعجم اللساني المستخدم، أصبح الكل يحدّق في كتابة الكلّ وانتقلت عدوى ما يمكن تسميته بـ"زومبي" الكلام أو عضّ اللغة، أصبح الكل يعض لغة الكل ويكلّب بها، مما أفرز نصوصاً متشابهة جداً، ليأتي الذكاء الاصطناعي ويعمم معجماً جديداً ساذجاً في غالب أمره ومتشابه ولا يقول شيئاً.
هذا من ناحية اللغة، من ناحية المعلومات، أيضاً ثمة مشاكل جمّة تتعلق بالدقة. دون أن ننكر أنه كشف عظيم وخطير يمكن البناء على معطياته الأولى.
بالنسبة لي، أنا من قرّاء الورق رغم التعب هذه عادة وميثاق بيني وبين نفسي. أحاول أن أدافع عن مكتسباتي التي تراكمت عبر السنين وأخوض تجربتي الشخصية إلى آخرها.
نياشين لمعارك فكرية
في أرشيفك وذاكرتك لقاءات كثيرة مع أعلام الأدب والفن العربي والعالمي، ما الذي يحضر من هذا الأرشيف بشكل متكرر؟
قابلت معظم كبار الأدباء والمفكرين المعاصرين، وهذا من فضائل الصحافة وحسن حظي، رأيتهم وحاورتهم، اليوم أنظر إليهم بوصفهم تحفاً في رفوف النفس أو نياشين لمعارك فكرية تعلمت منها الكثير. يحضرني دوماً قول رياض نجيب الريّس لي: "شو بدك بهالشغلة.. أنت أظرف من أن تصبح شاعراً".

























تعليقات