الروائية الجزائرية فضيلة فاروق:رفضتُ الظلم بكل أشكاله وراهنت على النضال بالكلمة
- Seagulls Post Arabic

- 2 مارس
- 6 دقيقة قراءة


حـــــــــوار
حنان فرفور- لبنان
الروائية الجزائرية فضيلة فاروق:رفضتُ الظلم بكل أشكاله وراهنت على النضال بالكلمة....
فضيلة فاروق روائية وإعلامية جزائرية، مقيمة في بيروت، لها نصيب من الشهرة كما لها من الألم والغربة والاغتراب والحكمة التي تولدها تجربة الخروج اليومي من شرنقة الأمل إلى فضاء الحياة المزنر بالخيبة والوجع والفقد. هي لا تكتب بحبر سري ولا تتصالح مع الخفاء والزوايا وأنصاف الصرخات. اختارت أن تنتمي للوضوح وتعشب في أرض الوعي وإن كانت بورا.. التقيناها في سيغلس بوست وكان لنا هذا الحوار:
- في بلاد لا تقرأ، وإن هي فعلت، فإنها تقرأ غالبًا من زوايا أيديولوجية، لا لتكتشف وتحاور وتناقش، إنما لتؤكد قناعاتها وتثبتها... في مثل هذه البلاد، لمن تكتب ولماذا تكتب فضيلة فاروق؟
كنت مندفعة جدا في صباي وشبابي للدفاع عن حقوق النساء، فكتبت بغزارة في موضوعات مهمة، رفضتُ الظلم بكل أشكاله، وراهنت على النضال بالكلمة. حوربت باكرا وأنا بعد طالبة طريّة، وخضت معارك مبكّرة ضد أعداء ذكوريين، لم أدرك خطورة تلك الحروب إلا حين وجدتني في قائمة من هُدّدوا بالموت.
المنعرج الخطير في حياتي كان في بداية ما سُمِّي بالعشرية السوداء. حين أدركت أني سلكت طريقا شائكا لا مفرّ منه. والمضي فيه كان خياري الوحيد. المصيبة أني أدركت متأخرة أننا لم نكن نُقرأ، بل نُحاكم وفق اللاعقلانية المحضة. لا شيء في موضعه منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، فقد انقلبت المفاهيم رأسا على عقب، وغطّ العقل في نوم عميق. لكني بقيت أكتب كوسيلة لمقاومة الموت.
- يقال إن الروائي يختبئ خلف الراوي حينًا وحينًا تحت ألسنة الشخصيات. لكنني بعد متابعتي للكثير من مقابلاتك لاحظت صراحة ووضوحا وشفافية، من أين هذه الجرأة؟ ألها علاقة بتكوين الشخصية الجزائرية أم لها علاقة بالنضج وفعل الكتابة نفسه؟
ولدت وترعرعت في بلدة "آريس" في عمق جبال الأوراس، وفي بؤرة ثورية لأهم مؤسسي الثورة الجزائرية العظيمة، تشبعت بقصص البطولات والتضحيات التي عاشتها الجزائر، كبرت في بيئة يتصف أهلها بالشجاعة، ونبل الأخلاق، والضمائر الحية، واحترام الكلمة. لم أعرف الخوف في تلك الجغرافيا القاسية، عرفته في المدن فيما بعد حين غادرت بلدتي الصغيرة. واستعملت ذكائي من أجل المقاومة والتأقلم. حين غادرت الجزائر إلى لبنان بدأت أدرك الفروقات الكبيرة بين الشخصية المشرقية والشخصية المغاربية، ثمة هوّة كبيرة بيننا خاصة في بعض الخطوط الأخلاقية العريضة. لنقل أننا أكثر صراحة ووضوحا وتواضعا، سريعو الانفعال والغضب، ومن الصعب ترويضنا. فيما يخص الكتابة ومن باب خلفيتي الثقافية الأمازيغية، جاءت لغتي العربية أكثر بساطة، محمّلة بأفكار تحررية منبثقة من المعنى الحقيقي للحرية وليس من المفاهيم التي أنتجها التأويل. تعرفين مثلا أن مجتمعنا الذكوري يعتبر المرأة الحرة منحرفة فيما الرجل الحر أقرب للخارج عن القانون، وهو بذلك لديه مفهوم غريب للحرية، غير موجود لا في القواميس ولا في المعاجم.

- بين المكان والتمرد عليه، إشكالية أكثر ما نلمحها ونصطدم بها في الفن الروائي، لأنه الأكثر مساءلة للواقع، والأهم
في استشراف المستقبل، وأنت التي عشت بين مكانين، تمرّدت على الجزائر واخترت بيروت، فلماذا ظل أثر الأولى أكبر وأهم وأعمق في نصك الروائي؟ وهل تحملك الأمكنة أم أنك تحملينها؟
الظروف القاسية التي مرت بها الجزائر هي التي اقتلعتني من هناك. العشرية السوداء وما تبعها من تراجع في الأمن، فترة "تنذكر وما تنعاد". وبيروت أيضا كانت خيارا وحيدا لا بديل له، الأقدار هي التي وضعتها في طريقي آنذاك. وجدت في بيروت حيزا من الحرية لم يكن متوفرا في الجزائر، ونوع آخر من المعاناة، فكتبت بحثا عن التشافي، في الحقيقة الجزائر بلد يستحق الأفضل، ومن هذا الباب كتبت ناقدة وعاشقة وحالمة، بيروت تسمح لي بممارسة حياتي بشكل أفضل، لكنها لا تسمح لي بأي انتقاد لها، حتى وأنا أحمل الجنسية اللبنانية أبقى الغريبة التي جاءت من الجزائر. هناك التقسيمات الطائفية والحزبية أيضا التي تجعلني دائما على الهامش، بدون وظيفة قارة، بدون الشعور بالأمان الذي يعطيني الثقة بالبقاء فيها، حتى الموت أصبحت أفكر فيه كثيرا، وأفكّر في قبري، لا أرض ستضمني غير أرض الجزائر، فقد اكتشفت أن لا قبر لدي في لبنان إلا إذا اشتريته بمالي الخاص! وبيني وبينك فضلت أن أوفر مبلغا أقل لتنقل رفاتي إلى الجزائر، هذا إن لم أعد قبل موتي لأعيش باقي أيامي هناك. بالتأكيد أحببت بيروت كثيرا لكن هذه المدينة عاجزة حتى أن تحب أبناءها، فلماذا اعتب عليها لأنها عاملتني بجفاء. غير ذلك ثمة كلام كثير في هذا الموضوع لكني لا أجد لغة مناسبة للتعبير عنه.
- في الشعر ثمة أصوات تقول بعجز الشاعرة العربية حتى الآن عن خلق مدارس وتيارات خاصة بها. بغض النظر عن صحة الاتهام وأسبابه، ماذا عن الرواية النسوية؟ هل تؤمنين أولا بالتسمية؟ ماذا عن حضورها الثقافي أولا والجماهيري ثانيا؟
الله يسامح "ذكورنا" الذين يتحكمون في أقدارنا، ويقررون من يطفو على السطح ومن يدفن، من يصعد ومن ينزل، من يكافأ ومن يطرد من جنّة المشهد الثقافي. المشكلة الكبيرة هي هذا النصف مثقف الذي مُنِح صلاحيات إقصاء البعض والاهتمام بالبعض الآخر. ليس لدينا من يشبه سارتر ليدعم من يشبهن سيمون دي بوفوار. بشرفك لولا النسويات هل يمكن للمرأة أن تخرج من "بيت الطّاعة الذكوري" وتصبح اليوم ما أصبحت عليه؟ افتحي أي صفحة على السوشل ميديا تتحدث عن نوال السعداوي واقرئي التعليقات السخيفة التي تمثل أكبر شريحة في مجتمعنا، ستصابين بالغثيان من المستوى الذي وصلنا إليه ومن ضحالة التفكير الذي أوصل مجتمعنا لهذا القاع. المثقف يقود الدول العظيمة نحو نور العلم والوعي، ونحن ندور في المتاهة نفسها، أنظري إلى لباس المرأة والرجل في 2025 في مجتمعاتنا، ستلاحظين هوة زمنية كبيرة بين الاثنين. للرجل الحق أن يرتدي ما يريد، وله الحق أيضا أن يتحكم فيما ترتديه ابنته أو زوجته أو أخته، هل هو اختلال توازن؟ ربما، لكنه حتما اختلال مخيف.. وهو ينعكس في أدبنا. إن قلت إني نسوية، ستنهال عليّ الشتائم ودعوات التكفير، وهذا ما يجعل كاتبات أخريات ينحنين قليلا ويخفضن أصواتهن متبرئات من هذه "التهمة" وهن يعدن إلى الحظيرة القديمة التي تحفظ سلامتهن. من يعرف زينب فوّاز؟ طبعا القلة القليلة، من يعرف نضالها الطويل؟ روز اليوسف، نوال السعداوي، غادة السمان العظيمة التي أصبحت مدرسة أدبية في حدّ ذاتها، فاطمة المرنيسي ...وأخريات يضيق المقام لذكرهن. من لا يعرف قوافل النساء المناضلات لأجل التغيير والإصلاح وإنقاذ المرأة من الظلم الذكوري، فأنا لست مسؤولة عن جهله. بكبسة زر بإمكانه أن يقرأ ويسمع قصصا لا نهاية لها، عن نساء مبدعات في الغرب والشرق. وعلى فكرة في هذا الموضوع بالذات قدمت فكرة لعدة قنوات تلفزيونية ورفضت، يبدو أن إعلامنا العربي لا يريد أن يلقي الضوء على نساء متميزات، بل يفضلهن مغيبات...بينما نوعية معينة فقط هي من تحظى بالاهتمام. غير ذلك تحضرني مقولة لغادة السمان وردت في كتابها "البحر يحاكم سمكة: "لماذا هذا التمييز العنصري بين جرح المرأة وجرح الرجل؟" فيها وجهة نظر إليس كذلك؟
- بين الرواية كفن تأريخي، وشاهد حضاري، وفن حكائي، ونص يؤنسن الفلسفة ويغمسها بالخيال والواقع، أين ترين نصك؟
عموما الأدب شاهد خطير على كل حقبة ينبثق منها. يمكن أن يكتب المنتصر التاريخ بالطريقة التي تناسبه، لكن إن عدنا للنصوص الأدبية ستنكشف أسرار وخبايا كثيرة. لكن أيضا علينا ألاّ نبرئ الأدب من تعدد أوجهه. لقد سعت دائما الأجنحة الإيديولوجية والعسكرية إلى تكوين أقلامها وإطلاق أدبها، ومحاولة طمس "الأدب المزعج" الذي أنتمي إليه، الأدب بالنسبة لي هو المساحة الوحيدة التي أمارس فيها كامل حريتي، وأشعر فيها بكياني المستقل، ومن خلاله أسجّل ما أراه وألاحظه في الحياة. كما ترين، أنا أقف هنا على مفترق القلق، والكلمة التي تحاول الأغلبية خنقها. إن شئت أن اختصر لك بصيغة أخرى فإني أتبنى مقولة جاك دريدا حول الأدب حين قال ما يهمنا هو المتخيّل والشعور وما يعنيه النص في عصره.
- عشتِ الكثير من الوجع وتكررين " حان الوقت لترتاح فضيلة" ألم تساعدك الكتابة على الشفاء والتسامح؟
التشافي بالكتابة يحدث حين نجد الوقت للكتابة، لكن حين يصبح همنا الأول أن نكتب لنعيش، ونحصل على أدنى حد من المدخول لحفظ كرامتنا، تصبح الكتابة عبء آخر يقودنا بسرعة قصوى نحو الموت. وأنا منذ سنوات أشعر أني ميتة، ومجبرة على تأمُّل مشهدنا الأدبي من بعيد، وهو غارق في كرنفالات وهمية. صدقيني كل من حمل قضية المرأة والإنسان الحر عندنا منذ الطاهر الحداد إلى يومنا هذا يعاقب بنفس الطريقة، تجويع، حرمان من العمل، حرمان من منابر التعبير، وقتل بطيء، وهذا يعني أن كل ما نراه من جوائز واحتفالات أدبية وملتقيات ومؤتمرات مجرّد وهْم نخدع به أنفسنا. مجتمعاتنا لا تزال بعيدة عن المدنية الحقيقية، ولا أدري إن كانت تعيش مرحلة انتقالية طويلة أو غير ذلك.
أيضا تذكرين "التسامح" هل أسامح من حرمني من وطني؟ أو من قطع رزقي؟ أو من استغلّ حاجتي وتعامل معي كمصاص دماء؟ بقدرة القادر ما زلت على قيد الحياة، وأدعو الله يوميا أن يكون "المنتقم" الوحيد لي، سبحانه هو العالم بالظالم والمظلوم.
- بين العملين الروائي والاعلامي: تكامل أم تعارض؟
لا تكامل ولا تعارض، إنهما أشبه بشفرتي المقصلة، ولا ترديان إلاّ صاحبهما قتيلا.
-اتهمت بالايروتيكية في غير مرة، أتجدين لاستسهال الاتهام هذا علاقة بكونك روائية لا روائيا؟
هذه من أغرب التهم التي يطلقها إنسان عاقل يتكاثر بالجنس على كاتب يصف الحياة كما هي دون أقنعة. وصراحة لا أدري من الأهبل! من يتهمني بالإيروتيكية لأني كتبت عن بشاعة الاغتصاب، أو من يعتبر الإيروتيكية تهمة؟ علينا أن نكبر، وننضج، ونناقش موضوعات الحياة بطريقة حضارية.
- من السذاجة أن نقول بمعيارية الشهرة شرطا للنجاح؛ ولكن من السذاجة أيضا ألا نعترف بأن عبئا جديدا ألقي على كاهل المبدع، عبء التعامل مع وسائل التواصل، كيف نفرّق بين الجماهيري والثقافي النخبوي؟
كانت فرنسواز ساغان ترفض المقابلات التلفزيونية، ومثلها فعلت غادة السمان، وكلاهما عرف شهرة كبيرة، واستعمل البعض إغراءات لجرّهما لبلاتوهات التليفزيون، لكن دون جدوى. أشعر أن الأمر مشابه لما يحدث اليوم مع وسائل التواصل، فبعض من كتبوا وخاضوا تجربة البروز عبر السوشل ميديا سرعان ما تعبوا لأن نجوما انبثقوا من حيث لا ندري وتربعوا على عرش هذه الوسائل، لكن ليس بالأدب، بل بطرق تشبه التسويق لأي منتج. وصراحة أعجبني الكاتب أمبيرتو إيكو حين قال قولته الشهيرة: " إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك «تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء». والمصيبة الكبرى حين يعتبر بعض البلهاء أنفسهم أدباء...يا للهول.
- سررنا بالحديث معك ونطمع في كلمة أخيرة منك
لمن لم يقرأ قصة الأمير الصغير لأنطوان سانت إيكزوبيري عليه أن يقرأها، ليكتشف على الأقل نوع الأدب الذي لا يموت، والذي جعلني أعشق الكتابة...آخ يا زمن كم الفرق شاسع بين أدب وأدب!

























تعليقات