top of page
Seagulls Post Arabic

ناصر كمال بخيت: الخطوة الأولى - قصة قصيرة

  • صورة الكاتب: Seagulls Post Arabic
    Seagulls Post Arabic
  • 22 مارس 2024
  • 4 دقيقة قراءة

القاص ناصر كمال بخيت - مصر
القاص ناصر كمال بخيت - مصر

 

ناصر كمال بخيت: الخطوة الأولى - قصة قصيرة

مصر

سوف ننتقل اليوم إلى بيت جديد… قفزت فرحاً… أسمع والدتي وهي تصرخ في وجه أبي:

- إلى متى سوف ننتقل من بيت لبيت؟! متى نمتلك منزلاً خاصاً مثل باقي البشر؟

نظر إليها أبي بغضب، وهو يعقد حاجبيه وتنتفخ أوداجه، وهمَّ بأن يقذفها بالعصا التي بين يديه لولا أنه تماسك عندما رآني أقف بجانبها، فرد عليها بصوت حاول أن يكون هادئًا قدر المستطاع:

- إنها فرصة يا ولية سوف نكون بجانب الأكابر.

رحت أراقب الشجار بينهما، وأنا غير مكترث بما يؤول إليه الأمر، فتلك ليست المرة الأولى التي يدب فيها مثل هذا العراك، فهو يمثل روتيناً تعودت أنا وإخوتي على رؤيته يومياً… كل ما أعرفه الآن أنني سئمت ذلك الحي الذي نعيش فيه؛ حيث اعتاد أقراني من أبناء الحي أن يكونوا عصبة ليتشاجروا مع أبناء الأحياء الأخرى في القرية، وحيث إنني أمقت ذلك، أصبحت وحيداً لا أجد من أصادقه ويصادقني، لذلك رحبت بفكرة الرحيل منه لأي مكان آخر. وقد درج أهل قريتنا على تسمية كل حي فيها باسم "شق"... وكنا نقطن ساعتها "شق الغريب"… ربما لأن من يقطنه ليس له أصل أو تاريخ في القرية، وهذا يعني أنه أو أجداده رحلوا من بلدانهم لينتهي بهم المطاف من سكان القرية، ويضم أصحاب المهن من النجارين والبنائين والعاملين في مجال الكهرباء وميكانيكا السيارات… بالنسبة لأبي، فقد استوطن هذا الشق قادماً من قرية أخرى بحثاً عن الرزق، والذي يبدو أنه كان ضئيلاً على كل حال.. فالمساكن هنا بسيطة جداً، وتحتوي على القليل من الأثاث والمتاع، فلم يجن والدي ثروة من عمله كنجار منذ قدومه إلى هنا… أما شق "العمدة" فينحدر منه كل العمد في قريتنا، وهو في الحقيقة عبارة عن عائلة واحدة… تفرعت إلى العديد من الأسر المتنافسة فيما بينها على حكم القرية، وربما وجد السكان ذلك رحمة لهم؛ حيث وجدوا في كل خلاف يدب بينهم من يقف منهم في صف الظالم رغبة في منفعة ما، وفي الطرف الآخر وجدوا من يقف في صف المظلوم كيداً في قريبه أو طمعاً في كسب التأييد من أهل القرية ومواطنيها، مما يتسبب في نهاية المطاف في عودة الحقوق لأصحابها. أما قلب القرية النابض فهو شق "السوق" والذي يضم كل تجار الغلال والبيض والخضار والفاكهة والجزارين وتجار الحمير والجمال والعجول، ويقام فيه سوق الثلاثاء من كل أسبوع، لذلك سمي بهذا الاسم. أما غالبية أهل القرية، فيقطنون شق "الغيط" حيث يعمل معظم ساكنيه بالزراعة في الغيطان، ويربون في حظائرهم الأبقار كمصدر للألبان والسمن البلدي والأجبان، كما يربون أيضاً الدواجن من الدجاج والبط والإوز والحمام كمصدر للبيض وكسلعة غذائية هامة لا يستغني عنها الجميع… يقتنون أيضاً الحمير للنقل ومساعدتهم على الزراعة، لذلك يعد هذا الشق المورد الغذائي الأساسي للقرية إلا أنهم لم يمتلكوا الأرض التي يمتلكها العمدة وعائلته من الأكابر والوجهاء، بينما يعمل المزارعون بالأجرة لديهم وبنسبة ضئيلة من المحاصيل… لم يكن الدخل كبيراً، فعاش الناس في عوز وفقر ينتظرون الفرج كل يوم.


منازل في قرية وشجرة نخل

 

ثم جاء اليوم الذي انتقلنا فيه إلى شق "العمدة"، والذي لم يكن حدثاً معتاداً، فانتقال الناس من شق لشق مكروها عندهم، بل هو محرم بفعل العرف الذي اعتاده أهل القرية منذ قرون عديدة، إذ هو بمنزلة الانتقال من طبقة اجتماعية لأخرى، فما بالك بالانتقال من شق "الغريب" وهو أدنى الطبقات التي تسكن القرية إلى شق "العمدة" وهو أعلى الطبقات فيها. أما كيف حدث ذلك فطبقاً لما رواه أبي، فقد كان يصلح الباب الخاص بدار العمدة، فاشتكى له أبي من الإيجار الباهظ لمنازل القرية، وشظف العيش وقلة الدخل بها، فاقترح عليه العمدة أن يقطن مؤقتاً في أحد المنازل المهجورة منذ فترة والواقعة على أطراف الشق حيث السكن الخاص بخفراء الدرك… انتقلنا هناك وأذكر كيف انبهرت بما رأيت... فالمنازل تشيد جميعها هنا بالأسمنت المسلح والطوب الأحمر بما فيها منزلنا الجديد، بينما تبني المنازل في شق "الغريب" من الطوب اللبن وتسقف بالقش؛ مما جعلها موطن للأفاعي التي لطالما رأيتها بين الحين والآخر تتماوج بين القش، ويبرز رأسها أحياناً من بينها، فأبيت معظم الليالي مستيقظاً أراقب السقف فوقي خوفاً من تدلي ثعبان خلسة لينهي حياتي البائسة… كنا نلجأ إلى الحاوي لكي يخلصنا منها، والذي يقرأ بعض التعاويذ لنجد الثعبان قافزاً بين يديه، فيضعه في كيس قماشي ويرحل به... ظننت أننا بدأنا حياة جديدة، حتى خرجت لأستكشف دروب الشق، فإذا بزلطة قذف بها أحدهم تضرب رأسي لأغرق في بحر من الدماء.

****

هل يقبل سكان شق "العمدة" بسكن رجل غريب وعائلته بينهم؟ بات الجواب واضحاً منذ البداية حيث دبت الخلافات بين العمدة وباقي أقاربه بسببنا، ودفعنا نحن في المقابل الثمن، حتى إنني وددت لو عدنا إلى شق "الغريب" مجدداً… حظر علينا أنا وإخوتي أن نلعب بين دروب الشق، ولم يسمحوا لصغارهم باللعب معنا… عانينا الازدراء من الجميع، وكأننا نُدْفَع لهجرة هذا الحي والعودة من حيث أتينا… في أول الأمر، وعندما أُصِبتُ ببطحة في الرأس ظننا أنها غير مقصودة جراء لعب الأطفال هنا بالزلط والطوب، ولكن مع مرور الأيام وجدنا أننا قيد الإقامة الجبرية، فإذا خرجت والدتي لنزح ماء الصرف في الشارع حيث لم يكن في القرية صرف صحي، نهرها أبناء عمومة العمدة من هذا الفعل، وإذا خرجت أنا وإخوتي للتجول واللعب، طاردنا الخفراء بالسباب حتى نعود إلى الدار باكين نشتكي لأمنا ما حدث، والتي لم تحتمل كل ذلك فطلبت من والدي أن يجد حلاً لكل ذلك… ذهب أبي للعمدة يشكو له ما آل إليه حالنا في الشق، فوعده بأن الأمور ستتغير للأفضل، ولكن علينا أن نحتمل حتى يتعود بنى عائلته على وجودنا بينهم.

****

لا أدري كم مر من سنواتٍ حتى نصل إلى ما نحن فيه الآن... هل أحست عائلة العمدة ونبلاء القرية بما سوف يحدث فشنوا تلك الحرب علينا؟ هل تنبأوا أن هذا اليوم سيأتي، وأنني سوف أعين عمدة للقرية؟ لابد أن الصواب كان حليفهم تلك المرة؛ لأن هذا ما حدث بمرور الوقت، فقد ثارت شقوق القرية على تلك الحدود البالية التي صنعها عرف بائد بينهم... راحوا يتنقلون فيما بينهم، ويسطروا تاريخاً مختلفاً للقرية... ربما ألهمهم صمودنا الفذ في "شق العمدة" لسنوات، فاستوطنوه ليصبح ملكاً لهم في نهاية المطاف... هل علم والدي بأنني سوف أتوج عمدة للقرية... بالقطع لا! لكنه خطا الخطوة الأولى في سبيل ذلك... لهذا ومن ذلك الحين لا أخاف أبداً أن أقوم بخطوتي الأول التي ربما تغير يوماً مجرى التاريخ.

 

 

 

تعليقات


bottom of page