شجرةُ التِّينِ.. والكابوسُ القادمتفاحة سابا ـ فلسطين - قصة قصيرة
- Seagulls Post Arabic

- 9 يوليو 2024
- 3 دقيقة قراءة

شجرةُ التِّينِ.. والكابوسُ القادمتفاحة سابا ـ فلسطين - قصة قصيرة
لم أَقوَ صباح ذاك اليوم على فتح النّافذة بعد غياب عشرة أَيّامٍ عنِ المنزل. خفْتُ أَن أَرى القبر المفتوح لِتينتيالمعمِّرة. كانت التِّينة جزءًا من صباحاتي، كانت الجزء الجميل منها.
والآن هوَّةٌ.
قطعوها ضمن معارك الرِّجال على الأَرض، اجتثُّوا جذوري، وعرُّوني.
كانت أَوَّل ما تحطُّ عيناي عليه كلَّ صباحٍ وأَنا أَنهض متكاسلةً أَتثاءبُ، تمامًا كما كانت الطُّيور تفعلُ صيفًا شتاءً، كنْتُ أَرقبُها كما أَرقبُ علاقة الطُّيور بها.
أَرقبُها وهي تخلعُ أَوراقها شتاءً، وتتحوَّل إِلى مجرَّد عيدانٍ هزيلةٍ، ولكنَّها تكفي لتكونَ محطَّة استراحةٍ واحتضانٍ لطيورٍ مهاجرةٍ نحو مستقرِّها، وأَرقبُها في الرَّبيع وأَوراقها تنطلقُ صغيرةً، ثمَّ وهي تتَّسعُ وتكبُرُ ببطءٍ، وكأَنَّ الماءالَّذي يرويها يجري في عروقي ومسام جلدي، فتتلوَّن بالأَخضر كلُّ لحظةٍ من أَيّامي، وأَرقبُها وهي تزاحمُ الواحدة الأُخرى ولا تتركُ مساحةً للضَّوء أَن يمرَّ عبرها، حتّى تسدَّ عليَّ المنافذ إِلى المنظر خلفها. وهو منظرٌ بانوراميٌّ يشرفُ على شمال البلاد بأَسرها، بجبالها الخضراء وسهولها وبحرها، ولكنَّها رغم ذلك كانت تملأُ الكون وتملأُني بالأَخضر، وتغسلُ عينيَّ كلَّ صباحٍ حياةً وشغفًا للقاءٍ متجدِّدٍ معها.
ثمَّ كنْتُ أَرقبُها وهي تحملُ التّين صيفًا، وأَراه مثيرًا شهيًّا بشكله الدّائريِّ الطَّريِّ، وانبلاج الحُبيبات الحمراء الصَّغيرة من داخله، كانت حبّات التّين توحي لي بوفرة الكون اللّامتناهية.
لم أَذقْ حبّات تينها منذ عشرات السِّنين، وفي الحقيقة لم يكنْ يعنيني أَن أَقطفَها ولا أَن آكلَها، كانت تكفيني متعة المشاهدة تلك الَّتي لا يعرفُها إِلّا قلَّةٌ قليلةٌ منَ النّاس.
كانت تكفيني متعة هذا النَّفَس الطَّويل الَّذي كنْتُ أَستنشقُه منها إِلى جسدي وروحي كلَّ صباحٍ وأَنتعشُ، طقسٌ تعودْتُه، كنت أَشعرُ من خلاله أَنَّ أَنفاسنا تتَّحد وأَنَّنا نتوحَّد. كانت تجربة الانصهار والتَّحلُّل معها وبها كلَّ صباحٍ تمدُّني بغذاءٍ روحيٍّ لساعاتٍ طويلةٍ خلال اليوم.
كنْتُ سعيدةً وأَنا أَرى الطُّيور تتغذَّى منها، وأَحيانًا بعض الجيران الَّذين يتخطُّون الحدود ويتسلَّلون في غفلةٍ منِّي ليأْكلوا بعضَها.
حزينةٌ أَنا اليوم وكلَّ يومٍ منذ قطعوها، حزينةٌ جدًّا.
قطعوها ولم أَستطعْ أَن أَقولَ شيئًا. رأَيْتُهم وسكتُّ، رأَيْتُهم، غضبْتُ، وبكيْت بصمتٍ.. لا شيء يشبهُ الاغتصاب أَكثر منِ اقتلاع الأَشجار عنوةً ودون استئذانٍ، وبالذّات تلك المعمِّرة منها!
أَيّامٌ طويلةٌ لم أَقوَ بعدها على فتح النّافذة، حتّى عندما اشتاقت روحي للسَّماء، للفضاء وللمدى.
لا مدىً ولا أُفقٌ، اختناقٌ، الهواء لا يتجدَّدُ في بيتي، عتمةٌ، وأَنا أَنحشرُ أَغلب الوقت في نفس الرُّكن منه. ومن ذاك الرُّكن المعتم بدأَت كوابيس الاغتصاب تلاحقُني حتّى اجتاحت لياليَّ كلَّها، وصرْتُ أَراني ملقاةً كلَّ مرَّةٍ في نفس المشهد على سريرٍ في الشّارع، في زاويةٍ مظلمةٍ منه، في ليلٍ حالك السَّواد، بملابسٍ ممزَّقةٍ، شبهَ عاريةٍ، الدِّماء تنزُّ من كلِّ أَطرافي كما العرق البارد للهبّات الحراريَّة لامرأَةٍ خمسينيَّةٍ بات عودها يجفُّ. سيِّدةٌ جافَّةٌ أَنا تمامًا كما الأَرض بلا شجرة التّين، عيناي زجاجيَّتان تنظران إِلى اللّاشيءِ كعيون الموتى قبل أَن ترأْفَ بها يدٌ وتُغمضَها. ترتجفُ أَوصالي، أُحاولُ أَن أَسترَ ما خلَّعَتْه أَيادي "الأَرض والعرض"، ولا أَقوى، أَطرافي لا حيلة لها، ولا أَعرفُ إِن كانت رخوةً أَم متشنِّجةً، قدرتي على التَّمييز بين الأَشياء باهتةٌ والرُّؤية ضبابيَّةٌ، ضبابيَّة جدًّا.
أَيّامٌ طويلةٌ لم تهدأْ روحي عند استيقاظي في الصَّباح، كانت نفسي مُكبَّلةً، منسحِبةً عن أَيِّ قرار أَو رغبةٍ. كنْتُ خارج إِرادتي، مسحوقةً في عمق امتهاني، أَجلسُ ساعاتٍ طويلةً مُثقلةً بكوابيس اللَّيل وأَصوات همهماتٍ تزنُّ في أُذني، مخنوقةً بلهاث أَنفاسي الممزوج بلهاث أَنفاس كوابيس اللَّيل وهي تطبقُ على صدري، يزدادُ انقباضي وأَنا أُحاولُ التقاط أَنفاسي الضَّيِّقة المتسارعة، فأَرتمي على فرشتي بحثًا عن ملاذٍ أَهربُ به من انهيار عالمي لمشاهدة محطَّات التِّلفزيون المختلفة ولا أَجدُها تبثُّ شيئًا غير معارك الرِّجال على السُّلطة والأَرض، اقتتالٌ ودمٌ.
أَيّامٌ طويلةٌ أَراهم، رجالًا يتظاهرون ضدَّ السُّلطة بشتم أُمِّ الزَّعيم وأُخته وامرأَته، يشيرون إِلى أَعضائهنَّ الجنسيَّة، يمدّون الأَصابع الوسطى للإِشارة إِلى نيَّة انتهاكهنَّ، ثمَّ تأْتيني أَخبارٌ أُخرى لتعلنَ أَنَّهنَّ يُنتهَكنَ فعلًا، النِّساء يُنتهَكنَ في كلِّ حروب الرِّجال!
أَهربُ منَ التِّلفزيون ومن كلِّ الأَراضي المحروقة، أَهربُ، وأَهربُ لأَجدَني، مرَّةً أُخرى في اللَّيل كما كلِّ ليلة أُصارعُ كوابيسي، أَركضُ بسرعةٍ هيستيريَّةٍ، أَقفزُ عنِ الحجارة والمطبَّات، أَخافُ أَن أَنظرَ خلفي، أَرتفعُ بقفزةٍ خارقةٍ إِلى أَعالٍ غير معلومةٍ. أَطيرُ في الفضاء، ثمَّ أُحاولُ أَن أَهبطَ بحثًا عن أَرضٍ ثابتةٍ أَضعُ رجليَّ عليها، أَرى الأَرض تحتي ولا أَستطيعُ أَن أَطأَها، أَبذلُ مجهودًا خرافيًّا، تكادُ تنقطعُ أَنفاسي، جسدي يتمدَّدُ في كلِّ الاتجاهات، يتشوَّه وأَنا أُحاولُ مدَّ رجليَّ إِلى الأَسفل ولا تصلُ إِلى الأَرض، وأَبقى معلَّقةً في الفضاء بعضلاتٍ لا أَعرفُ إِن كانت متشنِّجةً أَم رخوةً، بلا أَرضٍ في انتظار كابوسٍ جديدٍ.





























تعليقات